فهرس الكتاب

الصفحة 1681 من 2086

لَقَدْ خَرَجَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، تَارِكِينَ وَرَاءَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، فَارِّينَ إِلَى اللهِ بِدِينِِهِمْ، مُؤْثِرِينَ عَقِيدَتَهُمْ عَلَى وَشَائِجِ الْقُرْبَى، وَذَخَائِرِ الْمَالِ، وَأَسْبَابِ الْحَيَاةِ، وَذِكْرَيَاتِ الطُّفُولَةِ وَالصِّبَا، وَمَوَدَّاتِ الصُّحْبَةِ وَالرُّفْقَةِ، نَاجِينَ بِعَقِيدَتِهِمْ وَحْدَهَا، مُتَخَلِّينَ عَنْ كُلِّ مَا عَدَاهَا، وَكَانُوا - رضي الله عنهم - بِهَذِهِ الهِجْرَةِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ: الْمَثَلَ الْحَيَّ الْوَاقِعَ فِي الأَرْضِ عَلَى تَحَقُّقِ الْعَقِيدَةِ فِي صُورَتِهَا الْكَامِلَةِ، وَاسْتِيلاَئِهَا عَلَى الْقَلْبِ؛ بِحَيْثُ لا تَبْقَى فِيهِ بَقِيَّةٌ لِغَيْرِ الْعَقِيدَةِ.

وَنَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى إِخْوَانِهِمُ الأَنْصَارِ، الذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛ فَاسْتَقْبَلُوهُمْ فِي دُورِهِمْ، وَفِي قُلُوبِهِمْ، وَبِأَمْوَالِهِمْ، وَتَسَابَقُوا إِلَى إِيوَائِهِمْ؛ وَتَنَافَسُوا فِيهِمْ حَتَّى لَمْ يَنْزِلْ مُهَاجِرِيٌّ فِي دَارِ أَنْصَارِيٍّ إِلاَّ بِقُرْعَةٍ؛ إِذْ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ أَقَلَّ عَدَدًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَشَارَكُوهُمْ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ رِضَى نَفْسٍ، وَطِيبِ خَاطِرٍ، وَفَرَحٍ حَقِيقِيٍّ مُبَرَّأٍ مِنَ الشُّحِّ الْفِطْرِيِّ، كَمَا هُوَ مُبَرَّأٌ مِنَ الخُيَلاَءِ وَالْمُرَاءَاةِ!.وَآخَى رَسُولُ اللهِ ? بَيْنَ رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرِجَالٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَ هَذَا الإِخَاءُ صِلَةً فَرِيدَةً فِي تَارِيخِ التَّكَافُلِ بَيْنَ أَصْحَابِ الْعَقَائِدِ، وَقَامَ هَذَا الإِخَاءُ فَوْقَ مَقَامِ أُخُوَّةِ الدَّمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت