فهرس الكتاب

الصفحة 1747 من 2086

من أجل ذلك بعث الله إليه أنبياءه ورسله، وأنزل عليه كتبه وصحفه وأكثر في الأرض من المصطفين الأخيار وندبهم إلى القيام بهذا العمل الجميل وأمرهم بنشر السلام والوئام بين الناس، وبث الإصلاح والتوفيق بين الطبقات، حتى لا تتعارض المصالح ولا تتضارب الأهواء لكي يعيش الفقير بجوار الغني والضعيف بجانب القوي، وحتى يقتل الشر في مهده ويموت في مكانه ويقتلع من جذوره، قبل أن يستفحل الداء ويعز الدواء، وحتى يبقى المجتمع الإنساني قوي الأركان متماسك البنيان، لا يصدع وحدته شقاق ولا خلاف كما أراد له خالقه وبارئه مصداقًا لقوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] .

فالإصلاح بين الناس مهمة عظيمة وواجب ديني مقدس لا يقوم به إلا أولئك الذين شرفت نفوسهم وصفت أرواحهم، وتضاعف إيمانهم وكمل يقينهم، أذواقهم سليمة، وطباعهم مستقيمة، وضمائرهم حية، وشعورهم نبيل يكرهون الشر، ويمقتون الخلاف عند غيرهم من الطوائف ويسعون لإبطال عمل الشيطان، ويجدون في إحباط كيد الخائنين، ويعملون على إطفاء الفتن وإزالة الشرور، وحقن الدماء وصيانة الأنفس، وحفظ الأموال، وتأليف القلوب، فهم كالماء الذي يطفئ النار قبل أن يستفحل شرها، أو كالنور الذي يبدد الظلام قبل أن يعم، لذلك أجزل الله لهم الأجر والعطاء، لا سيما إذا كان ذلك خالصًا لوجهه تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا} ولو أننا راجعنا الوقائع وتصفحنا الحوادث لوجدنا ذلك كله يرجع إلى إهمال الصلح بين الناس، ولا أكون متجنيًا على الحق إذا قلت أن جميع المشاكل الاجتماعية ترجع في جملتها إلى إهمال ذلك المبدأ القويم، فما اشتدت الفتن ولا اشتعلت الحروب، ولا أريقت الدماء، ولا أزهقت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت