ولتعلموا - أيها المسلمون - أنه ليس من الزهد تحريم ما أحل الله، أو الانصراف عن الطيبات التي أحلها الله، ولا الامتناع عن التجارة والزراعة والصناعة التي فيها معايش الناس، وإنما الزهد يا عبد الله هو أن لا تنصرف إلى ملذات الدنيا وشهواتها، بحيث تنسيك ذكر الله وشكره، وتمنعك من التوجه بالأعمال الصالحة والمسارعة فيها، قال تعالى:"وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" [آل عمران: 133] ، فالدنيا هي مطية المؤمن إلى الآخرة وفيها اختباره، قال سبحانه:"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" [القصص: 77] .
أخرج البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبي فقال:"كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل أي لا تركن إلى الدنيا ولا تطمئن فيها، لأنك على جناح سفر منها إلى وطن إقامتك وهو الآخرة، كالغريب لا يستقر في دار الغربة، ولا يسكن إليها، بل لا يزال مشتاقًا إلى وطنه عازمًا على السفر إليه."
أرى طالب الدنيا وإن طال عمره * ونال من الدنيا سرورًا وأنعما
كبان بنى بنيانه فأقامه * فلما استوى ما قد بناه تهدما