لقد كان من رحمة الله بنا ومنه علينا، أن أعطانا تجارب السابقين من الرسل والدعاة والصالحين، فقال سبحانه: { وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } [هود:120] ، وقوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [يوسف:111] ، فهذا نوح ـ عليه السلام ـ الذي دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما لا يكل ولا يمل، في كل وقت، وعلى كل حال، { قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا } [نوح:5-9] ، فماذا كان بعد هذه الآماد البعيدة وهذه الطرق العديدة، والأساليب الرشيدة: { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وقد أضلوا كثيرًا ولاتزد الظالمين إلا ضلالًا } [نوح:23- 24] ،وهكذا يظل القرآن الكريم يعطي للداعية ويمنحه ويتفاعل معه بقدر اتصاله به وأخذه عنه وبقدر معايشته والامتثال لتعاليمه وصدق الله: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت:69] ، وقد أتى خباب - رضي الله عنه- النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، - وقد لقوا من المشركين شدة - فقال يا رسول