فالواجب على من تصدر للفتوى: أن يتأنى، كما قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى:"العجلة في الفتوى: نوع من الجهل والخرق. التأني من الله، والعجلة من الشيطان".
كما يجب على المفتي أن يعلم أن المستفتين: جعلوه سفيرًا بينهم وبين رب العالمين، كما قال ابن المنكدر رحمه الله تعالى:"العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم".
وليحذر المفتي كل الحذر من الحيلة في التخلص من السؤال، والقول بلا علم على الكبير المتعال، كما قال القاضي ابن خلدة رحمه الله تعالى:"يا ربيعة؛ أراك تفتي الناس، فإذا جاءك الرجل يسألك: فلا يكن همك أن تتخلص مما سألك عنه".
وعلى المفتي قبل أن يفتي في مسألة فتلحقه الملامة؛ أن يسأل ربه تبارك وتعالى السلامة، فكان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى لا يكاد يفتي إلا قال:"اللهم سلمني، وسلم مني".
وعلى المفتي أن يعلم أن العلم أبواب، فلا يكن علمه بباب منه فاتحًا لباب القول بلا علم على العزيز الوهاب، كما قال سحنون بن سعيد رحمه الله تعالى:"أجسر الناس على الفتيا: أقلهم علمًا، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه".
وليعلم أن الفتوى بغير ورع وتخوف: نوع من الحماقة والتكلف، كما قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: سمعت حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما يقول:"إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بدًا، أو أحمق متكلف. قال ابن سيرين: فلست بواحدٍ من هذين، ولا أحب أن أكون الثالث".
عباد الله الكرام:
ألا وإن من أعظم العدوان والآثام؛ أن يترتب على فتوى المفتي ارتكاب المنكرات الحرام، كما قال سحنون رحمه الله تعالى يومًا:"إنا لله، ما أشقى المفتي والحاكم، ها أنا ذا يُتعلم مني ما تضرب به الرقاب، وتوطأ به الفروج، وتؤخذ به الحقوق، أما كنت عن هذا غنيًا".
ألا فليتق المولى؛ من يتسرعون في الفتوى، ولم ترسخ أقدامهم في البر والتقوى.