وحذار حذار من داء الشهرة وحب الظهور، فهو لعمر الله داء يقطع الأعناق ويقصم الظهور.
وكل ساعٍ بغير علم…فرشده غير مستبان
والعلم حق له ضياء…في القلب والعقل واللسان
وكان السلف الصالح الذين ألزمهم الله تعالى كلمة التقوى: يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفاها، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة فتواها، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى:"أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فما كان منهم مُحَدِّثٌ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مُفْتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا".
وقد أخذ العليم الخلاق؛ على علماء الأمة الميثاق: أن يبينوا العلم؛ ويحذروا من الكتم، حتى لا يتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فإذا سئلوا: أفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا.
واعلموا معشر الإخوة الأخيار: أن الكذب على المصطفى المختار، موجب لدخول النار، لأنه متضمن للقول بلا علم على الواحد القهار.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"،أخرجه البخاري ومسلم.
لأن كل ما أضيف إلى الرسول: فهو مضاف إلى المُرسل، فكل من كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم جاهلًا أو متعمدًا: فقد كذب على مُرسله تبارك وتعالى، { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [سورة الأنعام: 144] .
أقولُ هذا القولَ، وأتبرأُ إلى اللهِ تعالى مما بي من القوَّةِ والحَوْل، وأستغفرُهُ لي ولكم من الخَلَلِ والزَّلَلِ، وأسألُه حسنَ الختامِ عندَ بُلوغِ الأجَل.
الخطبة الثانية
الحمد لله؛ العلي الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الموصوف بالإحسان والجود والكرم، والمنعوت بالبر واللطف والنعم.