قال تلميذه القاضي إبراهيم بن الجراح: مرض أبو يوسف, فأتيته أعوده, فوجدته مغمًى عليه, فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم: ما تقول في مسالةٍ ؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟! قال: ولا بأس بذلك؛ ندرس لعله ينجو به ناجٍ. ثم ذكر مسألته. قال: ثم قمت من عنده, فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه, وإذا هو قد مات.
والأمثلة في حال سلفنا وعلمائنا في ذلك كثيرة جدّا جدّا, وفيما ذكرناه كفاية.
أيها المسلمون: ومِما يقتضيه العلمُ ويَلزمُ منه: أن يُتبعه الإنسان بالعمل, وإلا فسيكون نقمةً على صاحبه يوم القيامة (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) [الصف/2 ,3] . والمقت: هو البغض.
فلو نظرنا إلى حال أسلافنا في هذا الباب لرأينا العجب العجاب: فهذا سيد الخلق, وصفوة الله تعالى من خلقه, نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, يقوم ليلةً من الليالي وهو عند أحب نسائه إليه عائشةَ رضي الله عنها, فيقول لها: يا عائشة: ذريني أتعبَّدْ لربي. قالت له: والله إني لأحب قربك, وأحب ما يسرك. قالت: فقام فتطهر, ثم قام يصلي, فلم يزل يبكي حتى بلَّ حِجره, ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض, وجاءه بلال يؤذنه بالصلاة, فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله: تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورا؟! لقد نزلت عليّ الليلة آياتٌ ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب) الآيات من أواخر سورة آل عمران, إلى قوله: (وما للظالمين من أنصار) , أخرجه أبو الشيخ ابن حيّان في كتابه"أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم"بإسنادٍ جيد.
فهكذا - أيها المسلمون - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اقتدى به يستثمرون أوقاتهم في الطاعة والعبادة؛ لِمَا وقَر في قلوبهم من الإيمان بالآخرة, وأنّ الدنيا ما هي إلا مزرعة لها.