فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 2086

قال تلميذه القاضي إبراهيم بن الجراح: مرض أبو يوسف, فأتيته أعوده, فوجدته مغمًى عليه, فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم: ما تقول في مسالةٍ ؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟! قال: ولا بأس بذلك؛ ندرس لعله ينجو به ناجٍ. ثم ذكر مسألته. قال: ثم قمت من عنده, فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه, وإذا هو قد مات.

والأمثلة في حال سلفنا وعلمائنا في ذلك كثيرة جدّا جدّا, وفيما ذكرناه كفاية.

أيها المسلمون: ومِما يقتضيه العلمُ ويَلزمُ منه: أن يُتبعه الإنسان بالعمل, وإلا فسيكون نقمةً على صاحبه يوم القيامة (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) [الصف/2 ,3] . والمقت: هو البغض.

فلو نظرنا إلى حال أسلافنا في هذا الباب لرأينا العجب العجاب: فهذا سيد الخلق, وصفوة الله تعالى من خلقه, نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, يقوم ليلةً من الليالي وهو عند أحب نسائه إليه عائشةَ رضي الله عنها, فيقول لها: يا عائشة: ذريني أتعبَّدْ لربي. قالت له: والله إني لأحب قربك, وأحب ما يسرك. قالت: فقام فتطهر, ثم قام يصلي, فلم يزل يبكي حتى بلَّ حِجره, ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض, وجاءه بلال يؤذنه بالصلاة, فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله: تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورا؟! لقد نزلت عليّ الليلة آياتٌ ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب) الآيات من أواخر سورة آل عمران, إلى قوله: (وما للظالمين من أنصار) , أخرجه أبو الشيخ ابن حيّان في كتابه"أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم"بإسنادٍ جيد.

فهكذا - أيها المسلمون - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اقتدى به يستثمرون أوقاتهم في الطاعة والعبادة؛ لِمَا وقَر في قلوبهم من الإيمان بالآخرة, وأنّ الدنيا ما هي إلا مزرعة لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت