فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 2086

ثم كانت منّة الله على عباده ببعثة المصطفى -- صلى الله عليه وسلم -- التي لا تقوم بمال الدنيا كلها، بعثه الله بالهدى ودين الحق ليضع الجنس البشري في مساره الصحيح، وليشفيه من أمراضه قبل أن تقضي عليه، ويطهر قلوب الأفراد والمجتمعات وعقولهم، وبيوتهم وأعراضهم، وحياتهم وبواطنهم، ويردهم إلى الصواب قبل أن يفقدوا آخر أمل في نجاتهم، وفي مدة لا تساوي في عمر الزمان شيئًا في ثلاثة وعشرين عامًا من عمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفي عشرات السنين من بعده تغير وجه الحياة واستقامت موازين الخلق، وارتفعت أعلام الحق، وسرى الإسلام في قلوب الناس فأحياها، كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر.

من كان يصدق أن يحدث هذا في مدة وجيزة وكأن الناس غير الناس، الذين كانوا يعبدون الأصنام حطموها بأيديهم والذين كانوا يشربون الخمر أراقوها في سكك المدينة. والذين كانوا يعشقون الحروب أصبحوا دعاة سلام،والذين كانوا يعيشون على الحرام أصبحوا دعاة ورع، والذين كانوا يفعلون الفواحش أصبحوا حراسًا على الفضيلة. والذين كانوا يتوارثون الجهل أصبحوا بناة حضارة، وأساتذة العالم. والذين كانت الأنانية تقتلهم والطمع يستبد بهم، والعدوان يستهويهم، أصبحوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. والذين كانوا على شفا حفرة من النار أصبحوا بنعمة الله إخوانًا.

من الذي غيرهم؟ من الذي غسلهم من أدران الوثنية وأوهام الشرك؟ من الذي جعلهم خلقًا آخر؟ الله تبارك وتعالى غيرهم بالإسلام، الذي حمل لواءه سيد الخلق، وبالقرآن الذي أنزله الله على عبده ليكون للعالمين نذيرا.

فميلاد الرسول -- صلى الله عليه وسلم -- في الحقيقة هو ميلاد الإسلام، وهو انطلاق دعوة، هو إنشاء دولة، هو مبعث حضارة، هو اعتلاء حق، وظهور دين على الدين كله ولو كره الكافرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت