الحمد لله الرحيم الغفار، مقلب القلوب والأبصار، عالم الجهر والإسرار، أحمده حمدا دائما بالعشي والإبكار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له شهادة تنجي صاحبها من النار،وأشهد أن محمدا نبيه المختار، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أهل التعظيم والإكبار، صلاة وسلاما تامين دائمين مادام الليل والنهار.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها الناس، واحذروا من أمراض القلوب، ونزغات الشيطان، وهم النفوس، فإنها مثقلة للبدن، ومتعبة للفكر والذهن، مشغلة عن المهم، يقول ابن القيم -رحمه الله-:"أربعة تهدم البدن: الهم والحزن والجوع والسهر".
أتباع سيد المرسلين:
وبعد بيان أسباب هذا المرض الوافد، وهذه الظاهرة الملاحظة، لا يسعني إلا بيان الطرق الروحية، والأدوية الشرعية، للفكاك منها، والتخلص من ربقتها: فأول هذه الأدوية مكانة، قيام الأمة في مجموعها بمجاهدة أعدائها فقد أخرج الإمام أحمد من حديث عبادة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"عليكم بالجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى فإنه باب من أبواب الجنة، يذهب الله به الهم والغم"وصدق الله إذ يقول:"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين".
ومن هذه الأدوية: الموقف الصحيح من القضاء والقدر، وبلوغ إيمان العبد، بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه، فالأمور بيد مقدرها، أرزاق مقسومة، وآجال محتومة، وإن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها.
ومنها: الرضى عن الله سبحانه، فمن قل رضاه عن الله، صار مرتعا للأوهام والأحزان والأدواء، والرضى لا يكون إلا بأن يستحضر العبد حكمة الله في كل ما يصيبه،فإن أفعال الله لا تصدر إلا عن حكمة بالغة يقول الله تعالى: { وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } (التغابن:11) قال علقمة: هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.