وأما الأمر الثاني لنجاح بناء الأسرة: فهو أن يكون همُّ الأسرة الأعظم، وهدفها الأكبر: هو حياة الآخرة وما عند الله تعالى، وأن تكون الحياة الدنيا وسيلة عبور، ودار مرور، يستعين بها المرء للوصول إلى طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن هذا هو الغاية التي من أجلها خلقنا الله تعالى في هذه الدنيا، وهذا هو طريق الراحة والسعادة، وسبيل الأمان والاطمئنان، كيف لا والله تعالى يقول في محكم كتابه المبين: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [القصص:77 ] ، ويقول سبحانه: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ } [فاطر:5] ، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"من كانت الدنيا همه، فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" [أخرجه ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -] .
وانظر إلى ما كان عليه سلفنا الصالح - رضي الله عنهم- ؛ فقد كان بعض نساء السلف يوصين أزواجهن إذا خرجوا للكسب وطلب المال:"اتقوا الله فينا ولا تطعمونا الحرام؛ فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار".
أيها المؤمنون:
إن ثمة أمرًا مهمًّا في نجاح الأسرة، وهو يتعلق بقطبيها الرئيسين: وهما الوالدان؛ وذلك بأن يكونا قدوةً حسنةً لأولادهما، وأسوةً صالحةً لهما، في العبادة والخُلُق والمعاملة؛ فإن الأولاد يتطبّعون بطباع الوالدين، ولا سيما الأب، وبخاصة في الصِّغر، كما قال الشاعر:
…… وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوّده أبوه