فمَنِ الذي يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ والموعِظَةِ الحَسَنةِ ويجُادِلُ بِإِحْسانٍ؟ ومَنِ الذي يتَّقِي صَوارِفَ الدَّهرِ بِدرْعِ: يا حنَّانُ يا منَّانُ؟ أليسَ هوَ اللسانُ؟ ويَكْفِي اللسانُ مَنْزِلةً عَلِيَّةً؛ ودَرَجَةً سَنِيَّةً: أَنَّه آيَةٌ مِنْ آياتِ رَبِّ البَرِيَّاتِ، قُرِنَ بالذكْرِ مَعَ خَلْقِ الأَرْضِ وَالسَّماواتِ، كما قالَ تعالىَ: { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ } { الروم:22 } .
فَعُِلمَ مَعْشَرَ الإِخْوَةِ الكِرَامِ: أَنَّ كمالَ الإنسان ِإنمَّا هوَ بِتَنَعُّمِهِ بنعمَةِ البَيان ِوالكلامِ، وأَنَّه في هذِهِ الحالِ:مِنْ أَدَلِّ الدلاِئلِ على اتصافِ الكبيرِ المتُعَال؛ بأَسماءِ الجَمالِ؛ وصفَاتِ الكَمَالِ؛ ونُعوتِ الجَلالِ، كما دَلَّتِ الفِطَرُ السلِيمةُ؛ والعقولُ المستقِيمَةُ؛ وصَدَّقَتْها الشرائِعُ القَوِيمَةُ؛ علَى أَنَّ كَمَالَ المخلوقِ مُسْتَفادٌ مِنْ كَمَالِ خالِقِه، فالربُّ تبارَكَ وتعالىَ مُتَّصِفٌ بِالصَّفاتِ العُلَى ومِنْها صِفَةُ الكلامِ؛ اتصافًا يَلِيقُ بِذِي الجلالِ والإِكْرامِ.