فما بعد الحياة الدنيا حياة أخرى لا علم لنا بما فيها إلا ما جاء عن طريق الوحي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وهذه الحياة الآخرة فيها نعيم القبر وعذابه فالقبرإما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار فعلينا أن نعمل لننعم برضوان الله تعالى في الحياة البرزخية ليكون القبر الذي ننزل فيه روضة من رياض الجنة، بعد أن نودع هذا الدنيا بما فيها من أهل وولد ومال ومتاع، ولا يبقى مع الإنسان في قبره إلا عمله وما قدمه في حياته الدنيا، فلنقدم جزءًا يكون لنا، ولا نخلف كلًا يكون علينا، لأن العبد إذا مات قال الناس ما ترك وقالت الملائكة ما قدم، ونحن نرى سواد الناس يلهثون وراء جمع ما في هذه الحياة الدنيا وتكديسه والبخل به عن إنفاقه في سبيل الله وكثير منهم لا يبالي إن كان قد جمع ما جمع من حلال أو من حرام، وهم في غفلة عما يحدث بعد الممات.
وحينما تجىء الصاخة وتقوم الساعة {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها} [الحج: 1] {فإذا جاءت الصاخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يؤمئذ شأن يغنيه} [عبسى: 33ـ 37] .
هذه حال الناس حيث البعث والنشور، لا يغني أحد عن أحد شيئًا ولا يتحمل وزر غيره، لأن قانون الحياة الآخرة هو قوله تعالى {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38] .
ويأتي موقف الحساب وتنصب موازين الحق والعدل {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبيا: 47] وفي هذا الموقف تنشر الصحائف وتعرض على الإنسان أعماله التي اقترفها في الحياة الدنيا {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا} [الإسراء: 13 ـ 14] .