يقول المفسرون: كان أهل مكة تجارًا يسافرون في تجارتهم صيفًا وشتاءً آمنين في العرب لا يتعرض لهم أحد، وكانت العرب يغير بعضها على بعض، فلا يقدرون على ما تقدر عليه قريش من التنقل في التجارة والضرب في الأرض لخوف بعضهم من بعض حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في حي من أحياء العرب وإذا قيل حرمي (نسبة إلى الحرم) خُلِّي عنه تعظيمًا لمكة وتجنبًا لإيذاء أهلها، وذلك من الأمن الذي امتن الله به على أهل الحرم. وهكذا لفت الله سبحانه وتعالى أنظار قريش إلى عظم هذه النعمة المستوجبة للشكر وأمرهم أن يعبدوه شكرًا لها واعترافًا بها.
إخوة الإيمان:
هنالك نعمة أخرى عظيمة وكثيرًا ما صاحبت نعمة الأمن في امتنان القرآن، هذه النعمة هي ما يعرف اليوم بالأمن الغذائي أو الأمن الاقتصادي الذي هو من أعظم مقومات حياة الإنسان وبقائه، ولذلك فقد اقترنت المنة به مع المنة بالمؤامنة من الخوف، بل جاء هو الأول في السياق أحيانًا { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} (قريش:3-4) .
ومثل ذلك قول الله تعالى {وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (القصص:57) .
وذلك ما يذكرنا بالحكمة العظيمة من دعاء أبينا إبراهيم عليه السلام لمكة حين أراد إعمارها وتوطينها {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} (البقرة:26) .