والإخلاص في العمل صنو الإيمان ودليله، وأول ركيزة يبني عليها المجتمع وتقوم عليها حضارات الأمم ولذلك أمرنا الله تعالى بالإخلاص في عبادته لكي تؤدي كل أعمالنا في الحياة على هذا النحو من الإخلاص الذي لا يقبل الله سبحانه وتعالى عبادة من دونه {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصًا له الدين * ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 2، 3] .
وقد أسس الرسول صلى الله عليه وسلم دولته على الإخلاص وتجلى هذا الإخلاص في أوقات الشدة في العديد من مواقف المسلمين على عهد الرسول صلي الله عليه وسلم ففى غزوة الأحزاب تخاذل المنافقون ونكصوا على أعقابهم وتبدلت أحوالهم، يقول المولى سبحانه وتعالى في وصف حالهم الخبيثة هذه {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلًا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرًا} [الأحزاب: 18 - 19] .
في حين كان موقف المؤمنين المخلصين موقف الثبات والتسليم المطلق والثقة فيما عند الله { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب 22، 23] وعلى هذه المواقف الإيمانية قامت دولة الإسلام، وارتفع بناؤها، ولم يكن المؤمنون حينما خرجوا بدعوتهم إلى آفاق الأرض من حولهم أقوى التجمعات البشرية عدة وعتادًا ولا أكثرها جندا، ولا أوفرها مالًا وثروة ، وإنما كانوا دونها في كثير من هذه المجالات ولكنهم، كانوا أقوى إيمانًا وأكثر إخلاصًا وأحرص على أداء العمل في أنقى صوره خالصًا.