…ومنها: الاختلافُ في تطبيقِ النصِّ الشرعيِّ علَى الواقعةِ المرادِ معرفةُ حُكمِها. وهذا السببُ قَدْ يقعُ للعلماءِ ولغيرِهم؛ إذْ قَدْ يكونُ النصُّ الشرعيُّ واضحًا, والحكمُ معروفًا, ولكنْ لا يُدرَى بحقيقةِ حالِ هذا الشيءِ المرادِ معرفةُ حُكمِه, كما لو وَجَدَ إنسانٌ شيئًا في بيتهِ ولم يَدْرِ: هلْ هوَ له أوْ لغيرِهِ ؟ فهذا مشتبِهٌ, ولا يَحْرُمُ عليهِ تناوُلُه, ولكنَّ الورَعَ اجتنابُه, فعنْ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"واللهِ, إنِّي لأنقلبُ إلى أهْلِي فأجدُ التمرةَ ساقطةً علَى فراشِي - أوْ في بيِتي - فأرفُعها لآكلَها ثم أخشَى أن تكونَ صدقةً فألقِيها" [ متفقٌ عليه] .
…عبادَ اللهِ:
…فالناسُ في الأمورِ المشتبِهةِ قسمانِ:
أحدُهما: مَنْ يتَّقيِ الشبهاتِ ويبتعدُ عنها: فهذا - كما قالَ عنه في الحديثِ - قدِ استبرأَ لدينهِ وعرضِهِ, أيْ: طَلَبَ البراءَةَ لدينهِ وعرضهِ مِنَ النقصِ والشَّيْنِ, قالَ بعضُ السلَفِ: مَنْ عرَّضَ نفسََهُ للتُّهَمِ فلا يلومَنَّ مَنْ أساءَ الظنَّ بهِ.
…ولا شكَّ أنَّ مَنْ حملَ نفسَه علَى الأخذِ بالورَعِ فهوَ الأفضلُ والأكملُ, وسيكونُ مِنَ الحرامِ البيِّنِ أبعدَ وأنجَى, ولهِذا فقدَ جاءَ في روايةٍ للبخاريِّ في هذا الحديثِ:"فمَنْ تركَ ما يَشتبِهُ عليهِ مِِنَ الإثمِ, كانَ لِما استبانَ أتْرَكَ".
…والقسمُ الثاني: مَنْ يقعُ في الشبهاتِ مَعَ كونهِا مشتبِهةً عِنْدَه, فهذا قالَ عنه في الحديثِ:"ومَنْ وقعَ في الشبهاتِ وقعَ في الحرامِ", أيْ: أنَّ ارتكابَه للشبهةِ سيؤدِّي بهِ إلى ارتكابِ الحرامِ بعدَ ذلك؛ بسببِ التسامُحِ والتهاونِ. وقدْ جاءَ في روايةٍ للبخاريِّ في هذا الحديثِ:"ومَنِ اجترأَ علَى ما يَشُكُّ فيهِ مِنَ الإثمِ أوْشَكَ أنْ يواقِعَ ما استبانَ".