فهرس الكتاب
[السُّؤَالُ] ـ[أغيثوني، الإخوة الكرام في الشبكة الإسلامية، جزاكم الله خير الجزاء:
أرجو من حضراتكم أن تقدموا لي النصيحة في سبيل الله عز وجل فأنتم أهل والله لذلك، لأني والله أتخبط وضاقت بي الدنيا وأرجو أن لا تؤاخذني إن أطلت عليكم، فلقد ابتليت منذ صغر سني بتشوهات في قوامي (ظهري وأكتافي) ، ولم أنتبه لنفسي فقد كنت صغيرًا ولم أجد من يهتم بي أيضًا وأنا الآن قد أنهيت دراستي الجامعية وأعمل منذ فترة طويلة في إحدى المؤسسات ولكني أعيش حياة صعبة لا يعلمها إلا الله، ولا أدري ما الذي جعلني أصل إلى أقصى درجات اليأس في مرحلة متقدمة من العمر، خاصة أني أصبحت أبحث عبر الإنترنت عن حالات مشابهة تم علاجها لكني تعبت ولم أجد، فأنا والله دائم الهم والتفكير وشارد الذهن وأعيش حالة شديدة من الاكتئاب عندما أنظر للناس الأصحاء من حولي وأشعر بحرج دائم، مع أني والله مؤمن كل الإيمان بقضاء الله وقدره وأنا محافظ على الصلاة وتلاوة القرآن والدعاء إلى الله أن يشفيني مما ألم بي فكما تعلمون أن الدعاء لا ينافي الإيمان بالقدر فربنا عز وجل يقول: \"وإذا مرضت فهو يشفين\"، ونبي الله أيوب دعا ربه فقال: \"رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين\"، ودائمًا ما أحاول الهروب من حالة الاكتئاب التي أعيشها بالصلاة وتلاوة القرآن ولكني مع ذلك ما إن أبدأ حتى أهم بالبكاء، ولقد أصبح دعائي في الآونة الأخيرة، \"رب اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى\"فهل أنا بهذا الدعاء يائس من رحمة الله (والعياذ بالله) اعتقد أني يائس من حياتي ليس أكثر ... ماذا علي أن أفعل كرجل مسلم ومؤمن بالله الذي خلق لكل داء دواء، أغيثوني بارك الله فيكم فحياتي جحيم لا يطاق؟]ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فاعلم رحمك الله أن هذه الدنيا دار ابتلاء، وهذا الابتلاء لا ينجو منه أحد حتى من اصطفاهم الله من عباده وهم الأنبياء، وأكثرهم بلاء في هذه الدنيا نبينًا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك هو أرفعهم درجة وأعلاهم درجة والابتلاء كما يكون في أمور الدنيا من فقد مال أو موت ولد أو تأخر في الزواج أو مرض أو غير ذلك، فإنه أيضًا يكون في الدين، فهناك من يبتلى بفعل الكبائر أو ترك الصلاة أو نحو ذلك.
فاحمد لله أن جعل مصيبتك في أمر من أمور الدنيا ولم يجعل مصيبتك في دينك، واعلم أن من ابتلاه الله في الدنيا فصبر فسيعوضه الله في الآخرة، والآخرة خير وأبقى، والآخرة خير من الأولى، وما عند الله خير للأبرار، فإذا صبرت على قدر الله فلك من الله أجر عظيم، قال الله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ {الزمر:10} .
ومن يتصبر يصبره الله حتى يتكيف مع ما ابتلاه الله به، ولذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: وجدنا خير عيشنا بالصبر.
والدنيا ساعة أو ساعات معدودة محدودة، ثم نلقى الله، وغمسة واحدة يغمسها المؤمن في الجنة تنسيه كل شقائه في الدنيا، فقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مرّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب!!! ما مرّ بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط!!. رواه مسلم.
ولمعرفة ثمرات الابتلاء وفوائده راجع الفتوى رقم: 16766، والفتوى رقم: 13270 ثم إن البلاء البدني الذي ابتليت به لا ينبغي أن يمنعك عن ممارسة الحياة بصورة طبيعية، بل عليك أن ترضى بقضاء الله وقدره رضا حقيقيًا ظاهرًا وباطنًا ففي ذلك سعادة الدنيا والآخرة والراحة والطمأنينة ولذة الحياة التامة وامتثل وصية الناصح الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم. رواه مسلم وأحمد وغيرهما.
فهناك من ابتلي في بدنه بلاء لا يستطيع معه النوم، وهناك من تعطلت كليتاه فيحتاج إلى الغسيل الكلوي دوريًا، وهناك من شُلَّت قدماه ويداه فلا يستطيع الحركة إلا بمساعد وهناك من أصيب بالعمى وهناك من أصيب بالجذام وتساقط لحمه وقذره الناس وفروا منه حتى لا تصيبهم العدوى، وهناك من جُنَّ وضحك منه الصبيان وطاردوه في الشوارع ورموه بالحجارة، فأين أنت من هؤلاء؟ والله أنت في نعمة وسيزيد شعورك بها إذا قارنت نفسك بمن هو أشد بلاء منك وبمن هو أدون منك في أمور الدنيا.
فلا تستسلم لإحزان الشيطان لك، وثق بالله، وأر الله منك صبرًا جميلًا واشكره على ما أنت فيه، واحمده حمدًا كثيرًا، ولا تتمن الموت فإن في حياتك شاكرًا صابرًا محتسبًا رفعا لدرجاتك وتكفيرا لسيئاتك وفي موتك قطعا لذلك كله، ولا تغفل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. متفق عليه.
وهذا الدعاء أولى بك من الدعاء الذي ذكرت أنك تدعو به، وحذار من اليأس من رحمة الله، قال الله تعالى: إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ {يوسف:87} ، وقال تعالى: وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ {الحجر:56} .
وإن كان لهذه التشوهات علاج، فالتمسه، ولقد تقدم الطب الطبيعي والعلاج عن طريق التمرينات وجلسات الكهرباء وما أشبه ذلك، والتزم الدعاء خاصة في الأوقات الشريفة التي ترجى فيها الإجابة كالأسحار وبين الأذان والإقامة وآخر ساعة من العصر يوم الجمعة وفي السجود وبعد الآذان ونحو ذلك.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 25 جمادي الثانية 1425