[السُّؤَالُ] ـ[أنا متزوجة وأقيم في أمريكا ولقد من الله على بفضله بولد ست سنوات وبنت ثلاث سنوات ومنذ ولدتها أصبت بالآم في الفك والرقبة والأكتاف والذراعين والظهر وتطورت لتصيب الجسم كله وطفت على الأطباء وتشخيصهم أن عضلاتى فقدت مرونتها نتيجة الضغط العصبي وازداد ألمى لأن العلاج غير مجد وأصبت بالاكتئاب الشديد منذ ثلاث سنوات وأخذت أتعالج من الاكتئاب خلال هذه السنوات وتلقيت علاجا طبيعيا لعضلاتى وفقراتى التى خرجت من مكانها بلا جدوى بل زاد اكتئابى لعدم وجود شيء يساعدنى وقال الأطباء لا علاج لحالتى مما زاد آلامى وحيرتى ومن الأطباء من قال عملية للفقرة المنزلقة ربما يساعد على التخفيف من الآلم ولكن بلا تأكيد فهى تجربة
وهكذا مع الوقت قررت وقف علاج الاكتئاب لضيقى أن آخذ شيئا غير طبيعى ليساعدني ولظني أني أستطيع تحمل الألم بدونها والآثار الجانبية أيضا ولكن بعد أن أوقفته ظهرت الآلام شديدة جدا وطفت مرة أخرى على الأطباء ولكن نفس الكلام علاج طبيعى أو عملية مع أخذ حبوب الاكتئاب بعد أن عانيت وأنا أبطلها لأعراضها الانسحابية الشديدة وذهبت لأمكث مع أهلى ليساعدونى وأوقفها ولكنها إرادة الله أن يشتد الحزن والاكتئاب لدرجة قوية بعد توقف الدواء وبعد عودتى لبلاد الغربة ولم أنقطع عن البكاء والذهاب إلى عيادات الأطباء مع الدعاء والتضرع إلى الله أن يخرجنى من آلامى الشديدة والاكتئاب والغربة وضاقت في وجهى السبل فآلامي مزمنة وأحزانى كما قال لى الطبيب مزمنة أيضا وأنا أخاف على أولادي وأنا في الغربة لاأملك من أمري وأمرهم شيئا ولا أستطيع مساعدتهم ومساعدة نفسي لقد كرهت أن أبقى في الغربة ولكن زوجي عمله هنا وأريد العودة لأهلي ووطني وأحن كل يوم وأبكي وأدعو الله أن يشفينى وأعود لبلدي مصر ولكن كل من حولي يقولون لا تعودي فمصلحة أولادك في أمريكا حيث التعليم والتقدم ولوجود عمل زوجي فيها ولكني أصبحت مريضة حزينة وأحس بالوحشة وأبكي وأريد العودة
أمامي اختيار أن آخذ حبوب الاكتئاب مرة أخرى وأستسلم لحكم أطباء أمريكا وحتى أبقى في أمريكا ويبقى أولادي
ولكني لا أحب هذه الحبوب أليس الله قادرا أن يشفيني بدونها
أريد العودة إلى مصر ولكن والداي يخافان أن أضيع حياتي وأولادي معي إذا عدت هل كتب علي أن أغترب ولا أستطيع العودة إلى بلدي التي أحبها وأحس أن حالتي ممكن أن تتحسن ولو قليلا هناك ولكن زوجي يحب أمريكا وابني أيضا وهذا يقف حائلا أن عود هل لي أن أعود وأتوكل على الله بدون زوجي بدلا من عذابي وحدي ولا أنفع أولادي لمرضي ولا نفسي فقط مريضه مكتئبة هل أستطيع ترك زوجي وحده إلى أن يجمعنا الله فقد مرضت من الغربة ولا أطيقها مع وجود مرض العضلات أم آخذ حبوب الاكتئاب وأصبح سجينتها مرة أخرى
هل لي أن أختار وهل أنا بهذا أكون آثمة وسيعاقبنى الله أكثر؟
هل إذا توقفت عن زيارات الأطباء ولم آخذ علاج الاكتئاب واكتفيت بالتوكل على الله أكون مخطئة مع أني ذهبت إلى كثير من الأطباء ولم أدع علاجا جديدا وقديما إلا جربته وسعيت وأنفقت كثيرا ولكن كله بيده وإذا مرضت فهو يشفين
وهل دعائى لن يستجاب لأني أعيش في بلاد الكفر مأكلي حرام لأن أحيانا نأكل من أكلهم مضطرين لظروف مرضي وهل وتكون بهذا سدت كل الطرق في وجهي لقد تعبت وأتمنى الموت؟]ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم لك الشفاء العاجل، وأن يفرج همك ويزيل غمك إنه سبحانه على كل شيء قدير.
وعليك بالمداومة على الرقية الشرعية وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى والمحافظة على صلاتك وسائر ما أوجب الله عليك.
ونذكرك أيتها الأخت بأن الله تعالى الذي خلقك من العدم، ورزقك وأنت نطفة، وصورك فأحسن تصويرك، وخلق قلبك النابض ودمك الجاري وجوارحك المتحركة قادر على شفائك فأكثري من الدعاء، واعلمي أن عاقبة الدعاء خير، وما يظنه الناس أن إجابة الدعاء محصورة في تلبية ما طلب الداعي غير صحيح، ففي مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذًا نكثر. قال: الله أكثر.
والله تعالى يبتلي عباده فإن صبروا فلهم الأجر وإن سخطوا فلهم السخط، وتذكري ما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعطاء: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قال بلى: قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، قالت: أصبر. قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها. وانظري الفتوى رقم: 25111. ففيها بيان منزلة الصابرين، وننصح بمطالعة الفتوى رقم: 51946. لبيان أن الدنيا دار البلاء، ونقول لك أيتها الأخت الكريمة: احمدي الله تعالى أن جعل بلاءك في الدنيا لا في الدين، واعلمي أن من ابتلي بأصناف الأوجاع والأمراض وهو صابر محتسب خير له من أن يكون صحيح البدن معافى الأعضاء وهو مبتلى بترك الصلاة أو فعل الذنوب، لأن الأول مبتلى في دنياه وهي إلى زوال ومقام الإنسان فيها وإن طال فهو قصير، وأما الثاني فبلاؤه في دينه، ومن خسر دينه خسر آخرته، ومن خسر آخرته فقد خسر كل شيء قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ {الزمر: 15}
وأما بشأن حكم العلاج والتداوي فسبق تفصيل ذلك في الفتوى رقم: 27266. والفتوى رقم: 30645.
وأما سفرك بغير إذن زوجك فلا يجوز، بل عليك طاعته والبقاء بجواره والعناية بأولادك فهم بحاجة إلى عاطفتك وحنانك. فإن أذن لك زوجك في السفر إلى أهلك والمقام عندهم فلا مانع من سفرك على أن يصحبك حال السفر محرم؛ لما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم.
ولا يخفى عليك أن أكل ما هو محرم لا يجوز إلا في حال الضرورة الملجئة كالمضطر لأكل الميتة، ولا يخفى عليك أنكم لم تبلغوا مثل هذه الحالة.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 13 شوال 1426