[السُّؤَالُ] ـ [هل تجد لي رخصة في الكذب، أعرف أن هذا السؤال مثل الغلام الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا، ولكن أرجو سماع قصتي وسأحاول الاختصار، أنا شاب متزوج وعندي طفل واحد وأنتم تعلمون أعباء الحياة فالمرتب الشهري يذهب كله على البيت من طعام وشراب وفواتير كهرباء ومياه إلخ ... ولكن كل نهاية عام هناك مبلغ كبير يصرف لي كأرباح وهو مبلغ كبير ووالدي حرص منذ أن التحقت بالعمل أن نأخذ هذا المبلغ ونضعه في دفتر التوفير الخاص بي للحفاظ على المال ولتأمين مستقبل ابني، ولا أفعل أي شيء به إلا بعلمه، ولكن أبي يرى دائمًا أنني أدخر من راتبي الشهري!! ويرى أنه يمكنني أن أعيش بنصفه مثلاُ!! ولا يرى أبدًا أن المعيشة أصبحت غالية ولا يريد أن يقتنع أبدًا.. ولعل السبب أن على أيامه منذ 30 عاما كانت الأسعار غير التي عليها الآن، وأحيانًا أضطر إلى الاستلاف من بعض زملائي خصوصًا إذا كانت هناك وعكة طبيه بزوجتي أو بابني، والآن أنا مديون بحوالي 1000 جنيه.. والهاتف الخاص بي تلف وأريد أن أشتري جديدا.. وعندما أعلمته أنني أريد أن أسحب بعض النقود لسد حاجاتي رفض.. وقال لي خذ من والدتك ثم سدد عندما تستطيع وذلك بدافع الحرص على أموالي.. ولكني لا أريد أن أستلف من والدتي ثم ليس الدين الذي أطلبه فقط لسد حاجاتي ولكنني أيضًا أحب التصدق على اليتامى والفقراء والمحتاجين والمشاركة في الأعمال الخيرية كالمستشفيات وغيرها.. ولكن أبي يمنعني دون أن يشعر ... وعندما أحاول أن أقول له ذلك يرد علي بأن ابني أولى بهذه النقود..علمًا بأن ديوني تجعلني أحيانًا عصبيًا وأصاب بقلق أثناء النوم وأقول ماذا لو قبض الله روحي قبل أن أسدد الديون.. وأنا أملك المال الذي أستطيع أن أسدد به ولكن والدي يمنعني، ولا سبيل أن أقنعه بأن لي ذمتي المالية المنفصلة عنه وأن الله سيحاسبني أنا على أموالي وليس هو، وأنا بصراحة لم أجد أمامي في الأعوام الثلاثة السابقة إلا أن أكذب عليه فيما يخص مبلغ الأرباح السنوي الذي يصرف لي.. وأخفي عنه الثلث تقريبًا ولكن أخفيه لكي أدفع ديوني وأتصدق على الفقراء، ولكني أفكر الآن هل هذا الكذب حرام، وهل التحايل هنا يكون حلالًا بمعنى أنه عندما يسألني كم بلغت أرباحك هذا العام.. فأقول إنني أخذت مبلغ 5000 جنيه وهي أصلًا مبلغ 8000 جنيه مصري ويكون في نيتي أنني أخذت لنفسي من الأرباح مبلغ 5000 جم وليس أخذت أرباح تبلغ 8000 جم فهل هذا يجوز؟] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالكذب كبيرة من الكبائر تجر صاحبها إلى النار -والعياذ بالله- ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا.
ولكن الذي سألت عنه هنا، من أنك تضطر أحيانا إلى إخبار والدك بخلاف الحقيقة وأنت تنوي بكلامك معنى آخر، فهذا هو ما يسمى بالتورية وفيه مندوحة عن الكذب، كما جاء في الأثر: إن في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب. واعلم أن الكذب قد يباح لأغراض صحيحة، ومن ذلك ما إذا كان أبوك يريد أن يحملك على مطل أصحاب ديونك أو التقصير في واجباتك، فإنه لا يجوز لك أن تطيعه في ذلك لأن"مطل الغني ظلم"كما في حديث الشيخين، ولك حينئذ أن تلجأ إلى أي شيء تحقق به قضاء المستحقات عليك ولو أدى ذلك إلى الكذب.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 12 رمضان 1425