[السُّؤَالُ] ـ[تعرفت منذ أشهر على أخت في أحد المواقع على الإنترنت، وكانت نعم الأخت المسلمة التي تسعى لاستنهاض الهمم والعودة الى الدين, وقد توفاها الله رحمة الله عليها منذ أيام، وأرغب في معرفة ما يمكنني عمله من أجلها الى جانب الدعاء، فبعض الأعضاء ناشدوا بأن يصلي كل منا عليها صلاة الغائب وأنا لا أعرف مشروعية مثل هذا الأمر، ومنهم من قال بأنه يمكن أن نهدي لها ثواب ما نقوم به من أعمال صالحة، مستشهدين على ذلك بجواز الحج أو العمرة عن المتوفى، وقائلين بأن حديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث لا يعني أن ينقطع العمل له، وبهذا فلو أن أحدا أهداه ثواب عمله الصالح فانه ينفعه، وينسبون هذا القول للشيخ ابن عثيمين رحمه الله، فهل هذا صحيح؟
وهناك أمر آخر يؤلمني وأشعر بالذنب بسببه، وهو أنني أسأت الظن بها مرتين: المرة الأولى قبل أن أعرفها شخصيا، إذ اعتقدت أنها شيعية بسبب الصورة الشخصية التي كانت تستعملها، فكنت أقرأ ما تكتبه من مواضيع بعناية، لأتصيد أي محاولة لنشر أفكار منحرفة أو مشبوهة، ثم تبين لي خطأ ما كنت أعتقده، وكنت أنوي حقا إخبارها بذلك، وبأنني كرهتها في البداية ثم أحببتها لاحقا، لكن الظروف لم تسمح لي بذلك. والمرة الثانية كانت بعد أن تعرفنا وتصادقنا حيث اتهمتها إحدى العضوات أنها تحاول الإساءة لها بأساليب لا أخلاقية وصدقها الغالبية ورحن يكلن لها الاساءات، وهي أقسمت أنها لم تفعل ذلك، وأنا دافعت عنها أمام الجميع، لكنني بيني وبين نفسي خفت أن أكون خدعت فيها، فأرسلت رسالة خاصة للعضوة التي اتهمتها، وقلت لها إنني لا أستطيع تصديق هذا الأمر وأن الاخت طالما ذكرتها أمامي بالخير وأشادت بها وهذه حقيقة، وقلت لها أن ما ذكرته من مبررات وأسباب لاتهامها غير مقنعة أو كافية، وطلبت منها أن تخبرني إن كان هناك أمور أخرى لا أعرفها دفعتها لتوجيه الاتهام لها، لأنني لا أريد أن تربطني بها علاقة إن كانت على غير ما أظنه من الصلاح ووعدتها ألا أخبر أحدا بما ستقوله لي، وقد أجابتني هذه العضوة بأنها لا تملك أي أسباب أخرى غير ما كانت قد أشاعته. وبعد حوالي الشهر تبينت براءة هذه الأخت من التهمة، واعتذر منها الجميع, وقد فرحت كثيرا بذلك، ولم أستطع إخبارها أنني أيضا ارتبت فيها. ويؤلمني الآن جدا أنها كانت تحبني وتثق في بينما أنا أسأت الظن بها، فماذا أفعل لأكفر عن هذا الذنب؟ وهل يكفي الدعاء لها لتسامحني على سوء ظني؟
أعتذر على الاطالة. وشكرا لكم.]ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله تعالى أن يرحم صديقتك وسائر موتى المسلمين، وأن يرزقك الصبر على فقدها، ونذكرك بهذه البشارة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةُ. رواه البخاري في صحيحه.
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: قَوْله إِذَا قَبَضْت صَفِيّه هُوَ الْحَبِيب الْمُصَافِي كَالْوَلَدِ وَالْأَخ وَكُلّ مَنْ يُحِبّهُ الْإِنْسَان, وَالْمُرَاد بِالْقَبْضِ: قَبْض رُوحه، وَهُوَ الْمَوْت، والْمُرَاد بِاحْتَسَبَهُ: صَبَرَ عَلَى فَقْده رَاجِيًا الْأَجْر مِنْ اللَّه عَلَى ذَلِكَ. انتهى.
وأما عن صلاة الغائب عليها، فالراجح -والله أعلم- أن صلاة الغائب مشروعة في حق من مات بأرض ليس فيها من يصلي عليه، أما من صلي عليه حيث مات فإنه لا يصلى عليه صلاة الغائب، كما بينا ذلك بأدلته في الفتوى رقم: 30687.
وبخصوص الدعاء للميت وإهداء ثواب الأعمال الصالحة له من الحي فإنه ينتفع بذلك ويصل ثوابه إليه على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد سبق بيان ذلك بأدلته ومذاهب العلماء فيه في الفتويين: 5541، 8150، فنرجو الاطلاع عليهما وعلى ما أحيل عليه فيهما.
وأما عن قول الشيخ ابن عثيمين في مسألة إهداء ثواب الأعمال فهو يرى رحمه الله جواز ذلك، ويرى أن الأفضل هو الالتزام بما ندب إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء والاستغفار للميت ونحو ذلك مما ثبت في السنة.
وأما عن سوء الظن فلا شك أنه منهي عنه؛ كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوااجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ. {الحجرات: 12} .
والظاهر أن سوء ظنك كان مجرد خواطر على القلب دون تحقيق ذلك أو التكلم به، لأنك دافعت عنها والتمست براءتها وحاولت التثبت في المرتين، وهذا من المعفو عنه، كما ثبت في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ. رواه البخاري ومسلم. وراجعي الفتوى رقم: 20456، ففيها مزيد بيان لهذا الحديث.
ويكفي إن شاء الله في كفارة سوء الظن ما لم يصحبه قول أو عمل به: التوبة والاستغفار، ولو أضفت إلى ذلك الدعاء لصاحبتك والاستغفار لها فهو خير لك ولها، ولمزيد من التفصيل حول أحوال سوء الظن وما يجب في كل منها من كفارة راجعي الفتويين: 10077، 116193.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 20 ربيع الثاني 1430