[السُّؤَالُ] ـ[علماءنا وناصحينا الأجلاء سؤالي هو: بعد توبتي فإني أستغفر الله عز وجل راجيًا العفو والمغفرة، ولكن ما يثقل كاهلي الذنوب في حق العباد سواء المادية أو المعنوية.
المسألة الأولى المادية: ما يخص بعض المال كنت آخذه من أبي على أساس أنني أدرس به ولكن أنفقه في غير محله. وأيضا كنت قد سرقت من جدتي مبلغًا فأنا أصر على رد المال ولكنني ما زلت شابا ليس لدي دخل إلا مصروفي وما يعطى لي من طرف عائلتي، وفي سبيل رد الحقوق فقد تنازلت لأبي عن كل ما يريد أن يعطيني لكي أرد شيئًا ولو يسيرًا، وأستغفر لهم في صلواتي، فما العمل أيضا؟
المسألة الثانية المعنوية: ما تعلمونه ولا يخفى، اللغو والغيبة التي تعم الشات والمجالس غير النافعة، فكثيرًا ما اغتبت وهمزت وعبت عباد الله في غفلة من أمري، فمرادي أن أبرئ ذمتي من هذا فأكثر الاستغفار لهم في صلواتي وأفشي السلام وأتصالح مع الناس ولكن لا أقول لأحد أني قد اغتبته من قبل حفظا لكرامتي ولعدم قطع العلاقات والرحم.
أفيدوني رحمكم الله فو الله لقد أثقلت كاهلي هذه الذنوب وبكيني كلما تذكرتها. فأنا أحرص على حفظ لساني ويدي من حقوق الناس، ولا أريد أن أكون المفلس الذي يأتي بصلاة وصيام ونوافل ولكن يحشر في النار والعياذ بالله ... ]ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالله تعالى يقبل توبة العبد مهما عظم ذنبه وجرمه ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربها، وقد وعد سبحانه وتعالى التائبين بالمغفرة والرحمة، فقال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {الأنعام:54} ، وقال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا {النساء:110} حتى ولو أسرفوا على أنفسهم، كما قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {الزمر: 53} .
وقال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا. رواه مسلم.
والتوبة النصوح من أي ذنب تكون بالإقلاع عنه خوفا من الله تعالى وتعظيما له وطلبا لمرضاته، والندم الصادق على فعله، والعزم الأكيد على عدم العودة إليه أبدا، مع رد المظالم والحقوق إلى أهلها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه. رواه البخاري.
فأما التوبة من الغيبة والهمز واللمز، فقال الغزالي: أما العرض فإن اغتبته أو شتمته أو بهته فحقك أن تكذب نفسك بين يدي من فعلت ذلك عنده، وأن تستحل من صاحبك إذا أمكنك إذا لم تخش زيادة غيظ وتهييج فتنة في إظهار ذلك وتجديده، فإن خشيت ذلك فالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ليرضيه عنك. اهـ.
وعليك أيضا أن تذكر من اغتبته بما فيه من خير لا سيما في الموضع الذي سبق أن اغتبته، بقدر طاقتك. وراجع الفتوى رقم: 36984.
وأما التوبة من السرقة فمن لوازمها رد المسروقات إلى أصحابها، فإن عجزت عن ذلك، بقي دينا عليك حتى تؤديه، فإن مت وأنت تبذل وسعك في رده فنرجو ألا يكون عليك شيء طالما كانت توبتك نصوحا، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وراجع الفتاوى ذات الأرقام التالية: 40782، 59893، 109625.
وأنت والحمد لله تستغفر لهم وتتبع سيئاتك بحسنات، فلعل الله أن يتحمل عنك ذلك، إن مت قبل أن تستطيع أداءه.
وراجع لمزيد الفائدة عن التوبة الفتاوى ذات الأرقام التالية: 22378، 17308، 28748.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 13 ربيع الأول 1430