[السُّؤَالُ] ـ [أشكو من ثقل الأعباء والمسؤوليات التي في عنقي من الأولاد والزوجة والعمل والأب والأم والأهل والناس، وأشعر دائما بحزن عميق ورعب شديد كلما أتخيل أن الله سياحسبني على هذه المسؤوليات جميعا، فما النجاة أثابكم الله لأني أغتم لذلك غما شديدًا ولا أفعل شيئًا سوى الحزن لأني لا أستطيع الوفاء بما علي من حقوق لهؤلاء جميعا، فمثلا الأولاد أحس بالتقصير في تربيتهم التربية الإسلامية الصحيحة لأني أعتني بأكلهم وشربهم لضعف صحتهم وهذا يأخذ مني وقتا ومجهودا كبيرا، كذلك الزوجة لا أعلمها العلم الشرعي إلا إذا دعت الضرورة بوجود موقف ما، بل حتى لا أعطيها حقها في الجماع لدرجة أنها بدأت هي التي تطلب، وكذلك أبواي لا أستطيع أن أحمل عنهما ما هما فيه من مشاكل وهموم وأعباء، فارشدوني آثابكم الله هل أنا بذلك مقصر وسياحسبني الله على ذلك مع العلم بأنني بالفعل مرهق في حياتي بدنيا ونفسيا ولا أستطيع حمل عبء نفسي فما بالك بعبء غيري، وهل هناك عمل أداوم عليه ينجيني من تلك المحاسبة، فأفيدوني أثابكم الله؟] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن هذا الذي تشكو منه من أنك دائم المحاسبة لنفسك لهو أمر حسن جميل، والواجب على العبد دائمًا أن يكون حاله كذلك، فذلك علامة الإيمان وحياة القلب، وهذا هو دأب الصالحين وعادة عباد الله المتقين، جاء في كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم رحمه الله: وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية، وذكر أيضًا عن الحسن قال: لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين وماذا أردت تأكلين وماذا أردت تشربين، والفاجر يمضي قدمًا قدمًا لا يحاسب نفسه، وقال قتادة في قوله تعالى وكان أمره فرطا: أضاع نفسه وغبن مع ذلك تراه حافظًا لماله مضيعًا لدينه، وقال الحسن: إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته، وقال ميمون بن مهران: لا يكون العبد تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالك. انتهى.
فكيف تطلب إذا أيها السائل الفرار من هذه الطاعة العظيمة، لكن الذي ننبهك عليه هو أن تستثمر هذا الأمر استثمارًا إيجابيًا ليكون حاملًا لك على المسارعة إلى رضوان الله وطاعته، والفرار من معصيته، لا أن يكون دافعًا لك لليأس والقنوط فإن هذا من مكر الشيطان وكيده لك ... والإنسان إنما خلقه الله في هذه الحياة الدنيا للابتلاء والاختبار، ولا بد من مجاهدة النفس على أداء الحقوق وفعل الواجبات، ولا يكلفك ربك إلا وسعك، فإن بذلت وسعك وطاقتك في تربية أولادك والبر بوالديك وتعليم زوجك ونصحها وإعطائها ما يجب لها من حق ومجاهدة نفسك في تعلم الخير والعمل به فقد أديت ما عليك -إن شاء الله- وسيكون لك عون من الله سبحانه إذا رآى في قلبك الخير وعلم من نيتك الإخلاص والصدق، قال سبحانه: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى {مريم:76} ، وقال جل شأنه: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ {محمد:17} ، ومما يعينك على ذلك الإكثار من ذكر الله جل وعلا، فإن الذكر له أثر عجيب في تقوية القلب والبدن، وقد دل النبي صلى الله عليه وسلم ابنته الكريمة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها لما جاءته تشتكي ما تجده من أثر العمل بالرحا وتطلب خادمًا فلم تجده فجاءها النبي في بيتها وقال لها ولزوجها: ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثًا وثلاثين واحمدا ثلاثًا وثلاثين وكبرا أربعًا وثلاثين فهو خير لكما من خادم. متفق عليه.
فسدد أيها السائل وقارب ووازن بين الحقوق فأعط كل ذي حق حقه فإن لربك عليك حقًا ولنفسك عليك حقًا ولوالديك عليك حقًا ولولدك عليك حقًا ولزوجك عليك حقًا، وراجع حقوق الزوجة والأولاد في الفتاوى ذات الأرقام التالية: 21921، 10574، 99047، وراجع حق الزوجة في الجماع خاصة في الفتوى رقم: 75228.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 21 جمادي الأولى 1430