فهرس الكتاب

الصفحة 3594 من 4042

(هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) (1) أَي قد (2) أتَى على الإنسانِ طائفةٌ محدودةٌ مِنَ الزَّمانِ الطَّويلِ المُمْتَدِّ الَّذي لا يَعْرِفُ مقدَارَهُ لَمْ يَذْكُر فيهِ أَو غيرُ مذكورٍ بالإِنسانيّةِ أَصلاً؛ كالعُنْصُرِ والنُّطفَةِ. والمرادُ بالإنسانِ الجنسُ، وإطلاقُهُ على ما قبلَ نفخِ الرّوحِ فيهِ من بابِ إِطلاقِ الخَمْرِ على العَصيرِ، أَو هو آدمُ والحِينُ محدودٌ؛ وذلك أنَّهُ مكَثَ أربعينَ سنةً طِيناً إلى أَنْ نُفِخَ فيهِ الرُّوحُ فصارَ شيئاً مذكوراً بعدَ أنْ كانَ كالمَنْسِيِّ.

الأثر

(لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فإِنَ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ) (3) ويُروَى: (فإنّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ) (4) وفي روايةٍ: (فإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ) (5) وذلك أَنَّهُ كان من شأن العربِ ذَمُّ الدّهرِ وسَبُّهُ عند النَّوازِلِ لاعتقادِهِم أَنَّه الطَّارِقُ بالنَّوائبِ، فنُهُوا عن ذلِكَ وبُيِنَ أَنَّ لَهُم الطّوارِقَ الّتي تَنزِلُ بهِم مُنَزِّلُهَا اللهُ تعالى دونَ غيرِهِ.

وقيل: الدَّهْرُ الثّاني ليس بمعنى الأوّل بل هو مصدرٌ بمعنى الفاعِلِ، ومعنَاهُ أنَّ اللهَ هُوَ الدَّاهِرُ؛ أَي المُصَرِّفُ المُدَبِّرُ المُقَيِّضُ لِما يحدُثُ. والأوّلُ أظهرُ.

هذا، وقد يُذَمُّ الدّهرُ والزَّمانُ ويُمدَحُ لا من حيث إِنَّه الفاعِلُ للشّرِّ والخيرِ ـ كما تزعمُهُ الدَّهرِيَّةُ ـ بل باعتبار أَنّه من الأَسبابِ المُعِدَّةِ لحُصُولِ ما يحصُلُ في هذا العالَمِ مِنَ الامتزاجَاتِ وما يَتْبَعُهَا ممّا يُعَدُّ شرّاً أو خَيْراً، أَو لكونِهِ ظرفاً لهما فَيُذَمُ (6) الدّهرُ الّذي يكون فيه الشَّرُّ أَكثَرَ ويُمْدَحُ الّذي يكونُ فيه الخيرُ أَكثَرَ، وعلى ذلك ما ورد في كلام المِلِّيِّينَ من

(1) الإنسان: 1.

(2) في «ج» : مدة بدل: قد.

(3) و (4) غريب الحديث للخطّابي 1: 409، الفائق 1: 446، النّهاية 2: 144.

(5) مشارق الأنوار 1: 262، وانظر غريب الحديث للخطّابي 1: 409، والبخاري 8: 51.

(6) في نسخة: فذم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت