فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
عَبَدَهُ؛ لأَنُّهُ جمادٌ لا يَقدِرُ على ضَرٍّ أَو نَفْعٍ، وإنَّما أَثبَتَ لهُ الضَّرَّ في قولِهِ: (لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) بطريقِ المَجَازِ لكَونِهِ سبباً لَهُ؛ إِذ كانَتْ عبادَتُهُ توجِبُ القتلَ في الدُّنيا والعذابَ في الآخرةِ، وأَثبَتَ لَهُ النَّفعَ بناءً على مُعتَقَدِ داعيِهِ في تَرَقُّبِهِ النَّفعَ منهُ، وكَلِمَةُ «مِنْ» وصيغةُ التَّفضيلِ للتَّهكُّم بهِ. وفي الآيةِ أَوجهٌ عَدِيدةٌ والمُختارُ ما ذَكَرنَاهُ.
(وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) (1) أَصلُهُ يُضَارِرْ ـ بكسرِ الرّاءِ الاولى ـ فيكونُ مبنيّاً للفَاعِلِ، وبهِ قرأ عَمرُو (2) وعليهِ أَكثرُ المُفسِّرينَ، وهو نهيٌ للكاتبِ والشَّاهدِ عنِ المُضَارَّة بأَنْ لا يَجِيئا إلى ما يُطلَبُ منهُما من الكتابةِ والشَّهادةِ، وأَن يُخرِّفا ويَزيدا ويَنْقُصَا فِيهَما، وأَن لا يَكتُبَ الكاتبُ بما لم يُمَلَّ عَليهِ ويَشهدَ الشّاهدُ بما لم يُسْتَشْهَدْ فيهِ، أَو بفَتحِها فيكونُ مبنيّاً للمفعُولِ، وبهِ قرأ ابنُ عبّاسٍ وعليهِ ابنُ مسعودٍ ومجاهدٌ (3) ، وهو نهيٌ عن المُضَارَّةِ بهما؛ بأن يُشْغلا عن كَسبِهما ومعاشِهِما، ويُمنَعَ الكاتبُ جُعْلَهُ والشّاهِدُ مُؤونَةَ مجيئِهِ من مسافة، وغيرُ ذلكَ ممَّا يضرُّ بهِمَا.
(الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً) (4) لأَجلِ مُضَارَّةِ المُؤْمنينَ. قيل: إِنَّهم قَصَدُوا قتلَهُم فيهِ بعدَ سَدِّ أَبوابهِ.
(أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) (5) هو ما مَسَّهُ بهِ الشَّيطانُ من نُصْبٍ؛ لقولِهِ: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ) (6) ، أَو ما ابتَلاهُ اللهُ بهِ من هَلاكِ أَولادِهِ بهَدْمِ بيتٍ عليهم وذَهابِ أَولادِهِ والمَرضِ في بدنِهِ ثلاثَ عشرَ سنةً أَو أَكثرَ أَو أَقلَّ، أَو ما بلغَ بهِ من شِدَّةِ المَرضِ وجهدِ البَلاءِ حتَّى بَقيَ طريحاً على الكُناسَةِ لا يَحُومُ حولَهُ أَحدٌ من النَّاسِ.
(1) البقرة: 282.
(2) و (3) انظر إعراب القرآن للنحّاس 1: 182، وتفسير البحر المحيط 1: 354.
(4) التّوبة: 107.
(5) الأنبياء: 83.
(6) سورة ص: 41.