الحضر والسفر، يمليها عليها في يوم السلم، أو في مواطن القتال.
نرى من محمد - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يستخف بأشياع الباطل، ولا تأخذه الرهبة من كثرة عددهم، ووفر أموالهم، فيلاقيهم بالفئة القليلة، ويفوز عليهم فوزًا عظيمًا، ولم يكن بالرئيس الذي يبعث بالجيش إلى مواقع القتال، ويقعد خلافهم حذرًا من الموت، بل ترونه يقود الجند، ويدبر أمر القتال بنفسه، ويقابل الأعداء بوجهه، ولا يولّيهم ظهره، وإن تزلزل موقف جنده، وانصرفوا من حوله جميعًا.
نرى من محمد - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يصرف عنايته في تزكية الأمة، وتدبير شؤونها، والقيام بجهاد عدو هاجم، أو عدو متحفز للهجوم، ولم تشغله هذه الأعمال الخطيرة عن أن يقوم الليل قانتًا لله متهجدًا، ثم يملأ جانبًا من النهار في عبادة ربه متطوعًا.
نرى من محمد - صلى الله عليه وسلم - رجلًا زاهدًا في متاع هذه الحياة، ولو كان للشهوات عليه من سبيل، لذهبت به في ابتغاء العيش الناعم مذهبَ أولئك الذين يتظاهرون بالزهد إذا لم يجدوا، حتى إذا ما أيسروا، ورأوا زهرة الحياة الدنيا طوعَ أيمانهم، خلعوا ثوب الزهد، وتحولوا إلى طبيعة الشره كثيرًا أو قليلًا.
أما تعدد زوجاته - عليه الصلاة والسلام -، فقد كان لمصالح جليلة، ومقاصد نبيلة، ندع تفصيل القول فيها إلى محاضرة أخرى.
وهل في ميسور ذلك البائس [1] الذي يجحد عظمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يدلنا على رجل ألَّف بين أمة متفرقة، ثم أفاض عليها حكمة بالغة، وأقام فيها
(1) المقصود: علي عبد الرازق - انظر: الرد على مقالة (العظمة) في هذا الكتاب.