لرواية الشعر حفظًا، واتساعهم في الحفظ إلى غاية بعيدة، يقوم مقام كتابته، إلا أن يلحقه تغيير بعض الكلمات، أو ترتيب بعض الأبيات، أو نسيان شيء منها. يروى عن ذي الرمة: أنه قال لعيسى بن عمر: اكتب شعري، فالكتاب أحبّ إلي من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها.
قال المؤلف في (ص 65) :"وليس هذا شيئًا نفترضه نحن، أو نستنبطه استنباطًا، وإنما هو شيء كان يعتقده القدماء أنفسهم. وقد حدثنا به محمد ابن سلام في كتابه"طبقات الشعراء"، وهو يحدثنا بأكثر من هذا، يحدثنا بأن قريشًا كانت أقل العرب شعرًا في الجاهلية، فاضطرها ذلك إلى أن تكون أكثر العرب انتحالًا للشعر في الإسلام".
أخذ المؤلف يبحث عن حتف كتابه بقلمه، فقد جعل يعترف بأن القدماء وجهوا عنايتهم إلى هذا الشعر الجاهلي، وتناولوه بالنقد من جهة نسبته إلى من يعزى إليهم، وتحدثوا في هذا بالإجمال تارة، وبالتفصيل تارة أخرى، وسنبسط البحث عن عنايتهم بنقد الشعر من هذه الجهة في مقالة أخرى، وإنما نريد مناقشته فيما نقله من كتاب"الطبقات"، وتخيَّله حجة قائمة.
إذا قال القدماء: إن قريشًا كانت أقل العرب شعرًا، فهم لا يقولون هذا إلا بعد موازنتهم بين أشعار القبائل، ولا بد أن تكون هذه الموازنة بين ما وثقوا بصحة نسبته إليهم، وإذا كان الفصحاء من الشعراء لا يبعدون عن عهد النبوة بأكثر من عصر أو عصرين، فنظرًا لعناية العرب بأنسابهم، ومعرفة