حتى لا يبلغ في دعوتهم أن يشتغل بها عن مجاملة ضعفاء المسلمين، وحفظ قلوبهم من أن تعبث بها أصابع الشيطان.
ومن حكمة هذه الآية: الدلالة على أن الخطأ في الاجتهاد معفو عنه.
قال كاتب المقال: (ورجع هو عن اجتهاد باجتهاد بمجرد النظر والتجربة، فقال:"هممت أن أنهى عن الغِيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم شيئًا"، وقال:"لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي") .
أورد الكاتب حديثين مستشهدًا بهما على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرجع عن اجتهاد باجتهاد.
أما حديث الغيلة، فقد ورد في الصحيح على نحو ما ذكره الكاتب، غير أنه فسر الغيلة بإرضاع المرأة ولدها وهي حامل، وهو تفسير ابن السِّكيت، أما الإمام مالك، فقد فسرها بوطء المرأة وهي مرضع، وتابع مالكًا على هذا التفسير الأصمعيُّ وغيره من أهل اللغة، ومالك أدرى بتفسير الحديث من ابن السكيت، ولا سيما تفسيرًا وافقه عليه علماء اللغة، ويؤيده ما جاء في الصحيح: أن رجلًا قال للنبي- صلى الله عليه وسلم: إني أعزل عن امرأتي، فقال:"لم تفعل ذلك؟"، فقال: إني أشفق على ولدها، فقال - عليه الصلاة والسلام:"لو كان ذلك ضارًا، ضر فارس والروم [1] ". ومما يزيدنا ثقة بضعف حمل الغيلة في هذا الحديث على إرضاع المرأة وهي حامل: أن الأطباء ما زالوا يقولون:
(1) "صحيح مسلم".