الصديق - وان بلغت صداقته المنتهى - قد يظهر لك من أمره ما لا يلائم صلة الصداقة، فلو أخذت تهجر من إخوانك كل من صدرت منه هفوة، لم تلبث أن تفقدهم جميعًا، ولا يبقى لك على ظهر الأرض صديق غير نفسك التي بين جنبيك.
عرَّف هذا المعنى الشاعر الذي يقول:
ولستَ بمستبقٍ أخًا لا تلمّه ... على شعثٍ أَيُّ الرجال المهذَّبُ؟!
والذي يقول:
أغمّضُ للصديق عن المساوي ... مخافة أن أعيش بلا صديق
والذي يقول:
ومن يتتبع جاهدًا كلَّ عثرةٍ ... يجدها ولا يسلم له الدهرَ صاحبُ
وقد عبر عن هذا المعنى بشار بن برد إذ قال:
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تُعاتِبُهْ
فعش واحدًا أوصل أخاك فإنه ... مقارف ذنبٍ مرة ومجانبهْ
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذي ... ظمئت، وأيُّ الناسِ تصفو مشاربُهْ
واذا كان الصفح عن الزلات من أفضل خصال الحمد، فأحق الناس بأن تتغاضى عن هفواتهم رجال عرفت منهم المودة، ولم يقم لديك شاهد على أنهم صرفوا قلوبهم عنها.
يذهب بعض الناس إلى أن يسيروا مع الأصدقاء على مثل سيرتهم معهم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وأشار إلى هذا المذهب أبو القاسم الحريري في