ويسهل على أهل العلم تحديد آرائه وطعنها بالحجّة في نحورها، لذلك اختار لفظ: ملك، وهو اسم لم يألف المسلمون إطلاقه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ليمكنه أن ينفي تحت اسمه ما شاء من حقائق شرعية، دون أن يحس السذج بما يقصده من إنكار مزايا الإسلام، وهدم كثير من أصوله.
ونحن لا نتقدم إلى الخوض في هذا البحث، إلا بعد رسم حقيقة الملك؛ حتى يمتاز المعنى الذي يلتئم بالرسالة من المعنى الذي لا يليق بمقامها الرفيع.
المُلْكُ رياسة يتصرف بها صاحبها في أمور الجمهور أمرًا ونهيًا وتنفيذًا، فإن كان التصرف قائمًا على سنن العدل، ومقتضى المصلحة، كان الملك مقامًا محمودًا، ومرتقى شريفًا، وهذا هو الذي يهبه الله لعباده المصطفين؛ كما قال الله تعالى مخبرًا عن نبيه سليمان - عليه السلام: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] . وقال تعالى مخبرًا عن يوسف الصديق - عليه السلام: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 101] .
وإن كان التصرف جاريًا مع الأهواء، جامحًا عن سنن الهوى، كان الملك مظهرًا ممقوتًا، ومهبط خسر وشقاء، وهذا الصنف من الملك هو الذي يتنزه عنه أنبياء الله، ولا يصح أن يجتمع مع الرسالة بحال.
وإذا كان المراد من الملك: سياسة الرعية، وتدبير شؤونها، كانت السياسة نوعين: عادلة، وجائرة؛ فكان السياسة العادلة هي التي يجيء بها الرسل - عليهم السلام -، وهي التي يعنيها المسلم إذا قال: إن الرسول كان