سلف، فشكر له بعض الحاضرين هذه الميزة، ولم يستطع الشيخ حمودة الريكلي أن يطوي حقيقة خطرت على ضميره الحر، فقال له: الوجه في هذا: أن من تقدم من العلماء كانوا يعترضون الأمراء فيما يسوقهم إليه عامل الاستبداد، فيطفئونهم حتى لا تكون حياتهم نورًا يكشف عن مساوئ أعمالهم، ونحن -أيها العلماء- قد ألقينا السلم، وتغاضينا عن كل سيئة، فبأي عذر تهضم حقوقنا، أو تنتهب أعمارنا؟! وقد وقع لهذه الموعظة أثر بالغ في نفس الباشا، فجازى الشيخ بالمكرمة، وأعاده إلى منزله على مركبه الخاص به، وعدّت هذه الواقعة منقبة فائقة للعالم والأمير.
وممن احتبك به هذا المجلس، وأخذ بطرف المحاورة فيه عن فكرة متنبهة: السيد نصوحي بك العظم من بيوت الفضل بدمشق، وله إقامات بمصر وعلاقات مالية، وكان قد شهد بعض دروسنا التي نلقيها بالجامع الأموي، وحدث الشيخ المفتي بأنه يراها دروسًا مفيدة، حيث كانت تتحرى في بيان مقاصد الشريعة الطريقة المعتدلة.
ولاقيت الشيخ راغب بن مصطفى التميمي أحد الأعيان بنابلس، وكان هذا الشيخ قاضيًا بمصراته، ومر على الحاضرة منذ سنتين، كما لقيت ابنه زكي الدين في طائفة من وجهاء نابلس، وأقاموا لنا من مجاملتهم وثنائهم على صديقنا السيد محمد الصادق الجبالي التونسي دليلًا صادقًا على ما يتردد على أسماعنا من أن أهل هاتيك البلاد يلاقون الغريب بوجوه منبسطة، وصدور راضية.
دخلت إلى مطعم يرافقني السيد صبحي العطار، فجلسنا حول السفرة، وكان بمقربة منا شيخ متعمم يحادث صاحب المطعم، ويلاحظنا أحيانًا، ولما