قواعد الدين ورعاية آدابه، إلا نفرًا كانوا يتشبهون بهم على جهالة، فيغرقون في الزهد، أو يَظهرون للناس بغير ما كانوا يسرون، وهم الذين يقول فيهم الإمام الشافعي:
ودع الذين إذا أتوك تنسكوا ... وإذا خلوا فهم ذئاب خفاف
وجعل الصوفية يتحدثون عما يرد عليهم من الخواطر، وما يجدونه من الأذواق، ويعبرون عن هذه الخواطر والأذواق بكلمات إما مألوفة، وإما غير مألوفة، حتى أصبح التصوف في القرن الثالث مذهبًا ذا قواعد واصطلاحات، وزاد بما دخله من الاصطلاحات على المقدار الذي يستطيع أن يفهمه المفسّرون والمحدّثون من موارد الكتاب والسنة.
يصف لنا التاريخ صوفية القرن الثالث، فنرى كثيرًا منهم على مثال الحسن البصري، وسلمان الفارسي، منهم: أبو القاسم الجنيد الذي كان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. ونرى بجانبهم قومًا آخرين خلطوا التصوف بشيء من أصول الفلسفة الإشراقية، وكسوه لونًا من الزهد الفارسي، فأخذ هذا التصوف هيئة غير الهيئة التي عرف بها الزهاد والوعاظ في صدور الإسلام، وشاع يومئذ الغلو في الزهد، وراج ما توهموه في معنى التوكل من أنه نزع اليد من الأسباب جملة، ذلك التوهم الذي حاربه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأقواله وأفعاله، قبل أن يحاربه العلماء فيما حاربوا من آراء ساقطة، وأوهام قاتلة.
ومما حدث في مذهب الصوفية: الأناشيد التي يسمونها: الزهديات؛ كقول بعضهم:
يا غاديًا في غفلة ورائحا ... إلى متى تستحسن القبائحا