ولا ندري من هذا الذي يعتقد أن خلفًا، أو حمّادًا، أو أبا عمرو، أو الأصمعي أذكى من المعاصرين أفئدة! ولم يقع من الناس سوى أنهم يرجعون إليهم وإلى أمثالهم في أمر كانوا يقومون عليه، ولا طمع في الوصول إليه من غير طريقهم، وهو هذا الشعر العربي.
والناس يعرفون تاريخ العصر العباسي، وما كان فيه من جد وهزل، وتقوى وفجور، وإذا سمّوه ذهبيًا بالقياس إلى هذا العصر، فلأن الأمة كانت ذات عز وسلطان، تعزم فتقدم، وتقول فتفعل، وكيفما كان حالها، فإن أعداءها يهابون سطوتها، وحرام عليهم أن يطؤوا موطئًا يغيظها، وأدنى شيء يجعله ذهبيًا هو أن فاقدي الفضيلة؛ كبعض رجال"حديث الأربعاء"، لم يجدوا طريقًا إلى أن يتصلوا بالعدوة ليتخذ من أقلامهم سلاحًا يحارب به هذا الإسلام، الذي يأبى لأهله إلا أن يعيشوا أعزاء، أو يموتوا شهداء.
قال المؤلف في (ص 131) :"كان القدماء يكذبون كما يكذب المحدثون، وكان حظ القدماء من الخطأ أعظم من حظ المحدثين؛ لأن العقل لم يبلغ من الرقي في تلك العصور ما بلغ في هذا العصر، ولم يستكشف من مناهج البحث والنقد ما استكشف في هذا العصر".
يعلم الناس من هذه النظم المادية والفنون الحيوية أن المحدثين أوسعوا دائرة هذه العلوم، وحققوا أشياء كانت غامضة، واستكشفوا أمورًا كانت مجهولة، وهذا لا يدل على أن العقول التي وضعها الله في أدمغة المحدثين أكبر من عقول القدماء، وإنما هي سنّة ترقي العلوم والفنون، وأن يبني المتأخر على الأساس أو الحجر الذي يضعه المتقدم، ولو أخذنا نبغاء هؤلاء المحدثين،