ضربنا لك الأمثلة في المقال السالف للأدب الذي ينبغي أن يصاغ فيه خطاب الدعوة. أما هذا الفصل، فمعقود في طرق من غير أدب اللسان يراعيها الداعي، ويأخذ بها الدعوة، فيكون لها في النفوس المستعدة للخير أثر حميد.
إذا كان أدب الخطاب يقوم على البراعة في فنون البلاغة، فإن الطرق التي نبحث عنها في هذا الفصل إنما تقوم على نظرٍ تقلَّبَ في أحوال الجماعات أطوارًا، ودرسَ سنن الله في الخليقة، فعرف كيف يسوس النفوس الجامحة، ويردّها إلى قصد السبيل.
لا يسهل على القلم استيفاء الحديث عن هذه الطرق، ولا يسعه إلا أن يضرب لها أمثلة، ويأكل الأمر بعدها إلى ألمعيتك، فهي التي تتناول المعنى القليل فتجعله كثيرًا، وتتلقى القول مجملًا فتفصله تفصيلًا.
من الحكمة في الدعوة: أن تناجي بها الجاهل أو الغافل في خلوة؛ إبقاءً للستر عليه، ورغبة في حسن إصغائه إليك؛ فإن كثيرًا من الناس مَن إذا ألقيت عليه النصيحة في علن، أخذته العزة، وثنى عطفه عن الاستماع أو الامتثال.
فإذا تصامم عن قبولها في خلوة، ساغ لك أن تلقيها عليه في ملأ؛ لعله يتألم من الفضيحة، ويحذر سوء الأحدوثة، فيعود إلى سيرة نقية، ويذكَّر كما يذكَّر أولو الألباب. قال تعالى في قصة نوح - عليه السلام: قَالَ رَبِّ