ومات على الإسلام، والظاهر أن بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو الضمري في جملة من بعثهم إلى الملوك كان إلى النجاشي الذي تولى الملك بعد النجاشي الذي أخبر - صلى الله عليه وسلم - بوفاته، وصلى عليه، ففي"صحيح مسلم"عن أنس:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبّار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -" [1] .
رأينا كيف كان المشركون يذيقون المستضعفين من المسلمين عذابًا أليمًا، فكان من رحمة الله أن فتح في وجوههم طريق الهجرة إلى الحبشة، فكان هذا الفتح من أسباب ثبات أولئك المستضعفين على إسلامهم، وتمكنهم من عبادة ربهم، فوجد منهم الدين رجالًا طبعت نفوسهم على آدابه، ونشطت أعضاؤهم للقيام بواجباته، وعرفوا عن مشاهدة كيف يحمي الله أولياءه من أعدائه، ويجعل لهم مع العسر يسرًا، ومن الضيق مخرجًا.
ثم إن وجود موطن لهجرة المؤمنين وخلاصهم من أذى المشركين، يسهل على من تنشرح صدورهم للإيمان ولا يطيقون العذاب، أن ينضموا إلى صفوف المؤمنين، ويصدعوا بإيمانهم ولو كره المشركون، ففي الناس من يعرف الحق، ولا يملك من قوة الصبر على الأذى ما يسهل عليه الشهادة به صراحة، والدخول في زمرة أهله علانية، وقد رأينا في محنة الناس بمسألة خلق القرآن علماء لا يرون رأي المعتزلة من أن القرآن مخلوق، ولم يجهروا بمخالفتهم؛ خوفًا من الضرب بالسياط، وعوتب بعضهم على عدم
(1) بعث هؤلاء الرسل كان في غزوة تبوك، وهذه الغزوة كانت في رجب سنة تسع.