عوج في التاريخ سيقوّم، وتزوير في الرواية سينجلي، فإذا هو يهجم على ما يقصه التاريخ بلسان لا عقدة فيه، ويحرفه إلى معان ليس بينها وبين اللفظ صلة إلا على طرف لسانه.
قصة حسّان وردت في كتب الأدب على مثال ما قصها المؤلف نفسه، وقد رأيتم بأعينكم كيف خاض في أحشائها، وركض بين بدايتها ونهايتها، ثم خرج منها بادعاء أن حسّان كان ينشد من شعره الذي هجا به مشركي قريش، وأن عمر استاء من ذلك الصنيع، وأخذته الحمية لقريش أن أخذ بأذن حسّان معنفًا له عن تعرضه لقريش بإنشاد ذلك الهجاء. وها هي تلك القصة ماثلة بين أيديكم، فلا تدل بمنطوقها، ولا بلحن خطابها إلا على أن حسان كان ينشد شعرًا في المسجد بصوت جهير، والناس حوله، فكره عمر أن تقام هذه الحفلة في المسجد الذي هو معدّ للعبادة. ولم يذكر في القصة نوع الشعر، ولحسان قصائد غير ما هجا به قريشًا، فقد قال في الجاهلية شعرًا كثيرًا، وقال في الإسلام ما ليس بهجاء، والشاهد من القصة على أن عمر إنما كره إلقاء الشعر في المسجد على تلك الهيئة: قول حسان: لقد كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك، فيرضى، ولو كان حسان ينشد شعرًا في هجاء قريش، لم يمض عمر ويتركه، وهو الذي نهى الناس أن ينشدوا شيئًا من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال: في ذلك شتم الحي بالميت، وتجديد للضغائن.
قال المؤلف في (ص 53) :"وكان عمر قرشيًا تكره عصبيته أن تُزدرى قريش، وتنكر ما أصابها من هزيمة، وما أُشيع عنها من منكر".