وشاهد يوضح أن المؤلف لا يفرق بين الإجماع على وجوب الخلافة، والاتفاق على مبايعة شخص بعينه.
قال المؤلف في (ص 32) :"لو ثبت الإجماع الذي زعموا، لما كان إجماعًا يعتد به، فكيف وقد قالت الخوارج: لا يجب نصب الإمام أصلًا، وكذلك قال الأصم من المعتزلة، وقاله غيرهم أيضًا؛ كما سبقت الإشارة إليه. وحسبنا في هذا المقام نقضًا لدعوى الإجماع أن يثبت عندنا خلاف الأصم، والخوارج، وغيرهم، وإن قال ابن خلدون: إنهم شواذ".
لم يخالف في وجوب الإمامة جميع الخوارج، وإنما المخالفون طائفة منهم، وهم النجدات، وقد نقلنا لكم آنفًا قول ابن حزم [1] في كتاب"الفصل": اتفق جميع أهل السنّة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة يجب عليها الانقياد لإمام عادل ... حاشا النجدات من الخوارج.
أما الأصم، فقد قال إمام الحرمين في تفنيد رأيه:"نصبُ الإمام عند الإمكان واجب، وذهب عبد الرحمن بن كيسان -هو الأصم- إلى أنه لا يجب، ويجوز ترك الناس أخيافًا يلتطمون ائتلافًا واختلافًا، لا يجمعهم ضابط، ولا يربط شتات رأيهم رابط. وهذا الرجل هجوم على شق العصا، ومقابلة الحقوق بالعقوق، لا يهاب حجاب الإنصاف، ولا يستوعر أصواب الاعتساف، ولا يسمى إلا عند الانسلال عن ربقة الإجماع؛ والحيد عن سنن الاتباع. وهو مسبوق بإجماع من أشرفت عليه الشمس شارقة وغاربة،"
(1) سبقت ترجمته.