والسير في هذه الخطة موكول إلى ذكاء الباحث وأمانته، فإذا كان عقل الباحث غير موزون، أو كان حظه من الإخلاص هضيمًا، لا يروع الناس إلا أن يقول ما يستعيذ منه (ديكارت) ، ويتهانف [1] منه الذين أوتوا الحكمة"الجديدة".
وحسبك شاهدًا على أن هذا المنهج لا تصلح له إلا البصيرة الخالصة النافذة: أن أحد دعاته، وهو (سبينوزا) قد ابتغاه وسيلة إلى نظرية"الحلول"، وهي نظرية ذاهبة في السخافة إلى مكان سحيق.
قال المؤلف في (ص 14) :"وأنت ترى أني غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين لا يستطيعون أن يبرؤوا من القديم، ويخلصوا من أغلال العواطف والأهواء، حين يقرؤون العلم، أو يكتبون فيه، ألا يقرؤوا هذه الفصول. فلن تفيدهم قراءتها إلا أن يكونوا أحرارًا حقًا".
إني غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين يستطيعون أن ينقدوا الجديد، ويخلصوا من أغلال التقليد، حين يقرؤون العلم، أو يكتبون فيه، أن يقرؤوا تلك الفصول، فقد تفيدهم قراءتها؛ إذ يجدون فيها المثل الأجلى لتهافت الديكارتيين على ما يسميه المناطقة: تناقضًا أو تخيلًا.
والوجه الذي يخرج منه مقلّدة هذا المنهج إلى ما يؤاخذهم عليه العلم، هو أن واضعه يجعل من أركانه عدم التسليم بشيء إلا أن يكون واضحًا لدى العقل، ومن هنا يمكن لغير المخلص، إنكار بعفالحقائق بزعم إبهامها،
(1) التهانف: الضحك باستهزاء.