وما زال المشركون يحاولون أن يطفئوا نور هذه الدعوة النبوية، ويبسطون ألسنتهم وأيديهم في إيذاء معتنقها، أو المتقبل لها، حتى وفق الله تعالى وفودًا من الأوس والخزرج لقبولها، ومبايعة النبي - عليه الصلاة والسلام - على أن يكونوا أنصاره إلى الله، وعند هذا أذن الله لنبيه الكريم وأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة.
لم يرض النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يهاجر قبل أصحابه، ويدعهم يقاسون عذاب المشركين ألوانًا، بل أمرهم بالهجرة قبله، فهاجروا فرادى وأرسالًا، ونبهت لهجرتهم المشركون لما ينويه النبي الأعظم من التحول إلى المدينة، وخافوا أن يعظم هنالك أمره، وتسري دعوته في القبائل، ويقضي على وثنيتهم، فائتمر المشركون به ذلك الائتمار المشار إليه بقوله تعالى:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] ، واستقر رأيهم على قتله، فما كان إلا أن تخلص - عليه الصلاة والسلام - من مكة مهاجرًا، ودخل المدينة آمنًا.
ويين خروجه من مكة، ودخوله المدينة، فروق واضحة: خرج - عليه الصلاة والسلام - من مكة في سواد الليل مختفيًا، ودخل المدينة في بياض النهار متجليًا، وخرج من مكة وأهلها يحملون له العدواة والبغضاء، ودخل المدينة وقد استقبله المهاجرون والأنصار بقلوب ملئت سرورًا بمقدمه، وابتهاجًا بلقائه، وخرج من مكة ومَنْ حوله يفكرون كيف يصلون إلى قتله، والقضاء على دعوته، ودخل المدينة ومَنْ حوله يتنافسون في الاحتفاء به، والقرب من مجلسه، وقد هيؤوا أنفسهم لفدائه بكل ما يعز عليهم.
أما فضل هذه الهجرة المباركة، فإنها آتت ثمرًا طيبًا، وأفاضت على