رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21] .فالمقصود في الآية: التأسي به - صلى الله عليه وسلم - في الأحوال والأفعال الاختيارية غير الجبلية والعادية، وغير ما قام الدليل الواضح على أنه من خصائصه.
نتأسى به - عليه الصلاة والسلام - فيما كان يتقرب به إلى الخالق من العبادات، وهذا يقتضي البحث عن العبادات التي كان يؤديها تقربًا إلى الخالق تعالى؛ مثل: الصلوات، والصيام، والحج، والأذكار؛ حتى نتبين كيفيتها، وأوقاتها، ومبلغ اجتهاده في القيام بها، وبهذا يسلم الرجل من أن ينحدر في البدع، أو يضع العبادة في غير وقتها، أو يقع في حرج التنطع [1] في الدين.
فالبدع إنما دخلت في الدين على أيدي قوم لم يدرسوا سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - دراسة تكسبهم تمييز فاسد العبادات من صحيحها.
ويتأسى به - صلوات الله وسلامه عليه - في احتماله لما كان يصيبه من صروف الأقدار، وتلقيه لها بصبر تتزلزل الجبال الرواسي ولا يتزلزل، وقد اقتدى به المستقيمون من المؤمنين في هذا الخلق العظيم، فيتلقون الخطوب من نحو: فَقْد المال، أو موت الولد بمتانة عزم، ورسوخ في الصبر، وقد عرفت أستاذًا في تونس يقال له: الشيخ محمد بن عيسى، توفي له ولده الوحيد البالغ سن العشرين، فتركه مسجًّى في المنزل، وجاء على عادته لإقراء درس في الأصول بين المغرب والعشاء [2] ، وبعد أن أتم الدرس، قال للطلاب: إن أخاكم فلانًا قد توفي، وغدًا صباحًا تشيع جنازته.
(1) التشدد.
(2) في جامع الزيتونة.