إلا كالفصد لعرق من عروقها، واستفراغ دمه الذي هو بضعة من حياتها، والقصاص من القاتل - وإن كان فصدًا لعرق ثان من ذلك الجسم العظيم - إلا أنه بمبضع طبيب عارف يخشى أن يسري دمه الفاسد إلى غيره من الأعضاء، فيحدث فيها مرضًا عضالًا. قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179] ؛ لأن القصاص يكف يد العالم به عن إراقة الدماء، ونهب الأعمار؛ موافقة لداعية الهوى، والضغائن الواغرة في الصدور، فيكون سببًا لحياة نفسين في هذه الناشئة، ولأن العرب كانوا يقتلون غير القاتل أحيانًا، فإذا قتل عبد أو امرأة من قبيلة، وكانت القبيلة ذات شوكة وحمية، لا ترضى إلا أن تقتل في مقابلة العبد حرًا، والمرأة رجلًا، وربما قتلوا جماعة بواحد، فتهيج الفتنة، وتشتعل بينهم حرب البسوس، فإذا كان القصاص مقصورًا على القاتل، فاز الباقون بالحرية في حياتهم، واطمأنوا بها.
والقصاص كما يقع عند الفتك بالأرواح، يجري في الجراحات، والجناية على الأطراف. قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] . وهذه الآية يشملنا حكمها، وإن نزلت تبيانًا لما كتب على الأمة الإسرائيلية؛ لأن ما يقصه الله علينا من شرائع الأمم المتقدمة، ولم يرد في الشريعة الإسلامية ما يخالفه، أخذنا به أسوة، وكان العمل بموجبه ضربه لازب.
ولمكان العناية بحفظ الدماء بنيت أحكامها على أساس الاحتياط؛ حتى لا يجد الأشقياء ذريعة إلى إهدارها، ومن هذا اتفق الصحابة - رضي الله عنهم - على قتل الجماعة الكثيرة بالواحد، وإن كان القصاص يقتضي المساواة، وقتل عمر