الناصر حينًا، وخشي منذر أن تنبعث منه ثورة يهتضم بها حق الأيتام، فأمر بنقض بناء الدار، وباع أنقاضها، فكانت قيمة الأنقاض فوق ما قومت به للخليفة من قبل، فاتصل الخبر بالناصر، فسأل القاضي عما صنع، فقال له: نعم، وأخذت فيما صنعت بقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] . فصبر الناصر وقال: نحن أول من ينقاد إلى الحق، فجازاك الله تعالى عنا وعن أمانتك خيرًا.
إن سيرة أمثال محمد بن بشير، ومنذر بن سعيد تنبه الناس إلى أن علوم الإسلام ترفع همة الراسخ في فهمها، وتطبع في نفسه عزة وتقوى يجعلان القضاء في حرية فوق الحرية التي تسنها هذه القوانين الوضعية.
ومن مظاهر اعتزازهم بالعلم: أن كثيرًا منهم كانوا يزهدون في المناصب، ولا يقيمون لها - وإن عظم سلطانها - وزنًا.
فهذا أبو محمد بن حزم كان وزيرًا لعبد الرحمن بن هشام الأموي، فرأى أن مقام العلم فوق كل مقام، فخلع طوق الوزارة من عنقه اختيارًا، وأقبل على البحث والتأليف، فقدم عملًا صالحًا، وأبقى أثرًا في العلم نافعًا.
وهذا زياد بن عبد الرحمن أحد أصحاب مالك الذين دخلوا بمذهبه بلاد الأندلس، أراده الأمير هشام بن عبد الرحمن على قضاء قرطبة بإلحاف، فأبى قبول هذا المنصب بتصميم، ومما اتخذه وسيلة للتخلص من الولاية: أن قال للوزراء الذين خاطبوه في شأنها، وأبلغوه عزم هشام على توليته إياها: أما إن أكرهتموني على القضاء، فاعلموا أنه إن أتاني مدعٍ في شيء بأيديكم، لا يكون إلا أن أخرجه منكم، ثم أجعلكم مدعين فيه حتى تقيموا عليه البينة. فلما سمعوا منه هذه العزيمة، تيقنوا أنه سيفعل ما يقول، فسعوا