المدينة، فقدمها، واجتمع إليه الناس، فجعل يسلك بهم ما كان يسلك في الشام، فقال له عثمان: لو اعتزلت، ومعناه: أن من كان مثلك في هذه المكانة من الزهد، فحاله يقتضي أن ينفرد عن الناس، أو يخالطهم في رفق، ويخلي سبيلهم ما قضوا حقوق أموالهم، وأدوا فريضة الزكاة على وجهها، فخرج أبو ذر إلى الربذة [1] زاهدًا ورعًا، وترك من ورائه قومًا يضاهونه، أو يقاربونه زهدًا وورعًا.
وأما سلمان الفارسي، فكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه، تصدق به جميعًا، ولا يقتات إلا بما كسبت يده؛ تمسكًا بمثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه البخاري:"ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده". ويدلكم على مكانته في الزهد والتقوى: كتابه الذي بعث به من العراق إلى أبي الدرداء، وهو يومئذ القاضي بدمشق، ومما يقول فيه:"أما بعد: فقد كتبت إلي أن الله رزقك مالًا وولدًا، اعلم أن الخير ليس في المال والولد، وإنما الخير أن يكثر حلمك، وينفعك علمك. وكتبت إليّ: أنك نزلت في الأرض المقدسة، اعلم أن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الإنسان عمله".
هكذا كانت سيرة الزهاد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا مواعظهم: أعمال مشروعة خالصة، وأقوال رشيدة واضحة.
ومما حدث في عهدهم: أن أناسًا لم يدركوا زمن النبوة يسمع أحدهم الآية، فيخرُّ كأنه مغشي عليه، فكان الصحابة الأكرمون لا يرضون عمن هذا شأنه، ويقابلونه بتعجب وإنكار.
مرّ عبد الله بن عمر برجل ساقط، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: إذا قرئ عليه
(1) الربذة: مكان قرب المدينة.