الأمير الذي يقدر مصلحة الحرب، وله أن يخلي سبيله بفداء، أو بغير فداء. ولا يرغم الإِسلام المحارب على الدخول في ملته، بل يعرض عليه أن يقيم تحت سلطانه آمنًا على نفسه وماله وعرضه ودينه، ويساوي في هذا الحكم أصحاب الأديان السماوية، وغيرهم، قال الإمام مالك، وصاحبه ابن القاسم: تقبل الجزية من كل من دان بغير الإِسلام.
وأما المعاهدون، وهم الذين انعقد بيننا وبينهم عهد على السلم، فيجب علينا الوفاء بعهدهم، وأن نستقيم لهم ما استقاموا لنا، وإذا كان في بعض ذوي القوة من يحسّ من خصمه المعاهد تحفزًا إلى الخيانة، فيسبقه إليها، فإن الإِسلام يوجب في حال الخوف من خيانة المعاهدين أن ننبذ لهم العهد علنًا، وفي القرآن الكريم: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] .
ولم يخص الإِسلام تأمين المحارب بصاحب الدولة، بل هو حق لكل مسلم ومسلمة، فإذا أمّن رجلًا وامرأة من المسلمين محاربًا، كان تأمينه نافذًا، واعتصم بهذا التأمين من أن يناله أحد بسوء حتى يبلغ مأمنه. وليس من شرط التأمين البلوغ، ولا الإِسلام، فلو أمن صبي يعلم ما يقول، أو أحد من أهل الذمة بعض المحاربين، كان هذا التأمين عقدًا محترمًا.
بلغ الدين في رعاية عهد الأمان أقصى غاية، فلو أشار المسلم إلى الحربي إشارة يريد بها عدم التأمين، ففهمها الحربي على التأمين، وجب له الأمان على حسب ما فهم من تلك الإشارة.
وهذا حكم التأمين في حال الحرب، أما تأمين المحارب ليدخل البلاد بقصد التجارة، وظن المحارب أن هذا التأمين نافذ، وجب الوفاء له على حسب