نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: 28] .
يستكبر الأغبياء ظنًا منهم أن في الاستكبار رِفعة، والحقيقة أن ابتغاء الرفعة من طريق التواضع أنجحُ من التوصل إليها بطريق التجبُّر والغطرسة، فالتواضع الحكيم يورث المودة، ومن عَمَر فؤاده بمودتك، امتلأت عينه بمهابتك.
وأحسنُ مقرونين في عينِ ناظرٍ ... جلالةُ قَدرٍ في خُمولِ تواضُعٍ
قد يراك الرجل وأنت تؤدي حق الاحترام إلى رجل عرفتَ من كماله ما لم يعرفه، فيعدُّ عملك تصاغرًا، ويرمي أمامك أو وراءك بسهم الإنكار، ولو اطلع على ما بطن من هذه المعاملة كما اطلع على ما ظهر منها، لأقام لك بدل الإنكار عذرًا.
قدّم أبو الفضل بن العميد لأبي بكر بن الخياط نعله، فعده بعض الحاضرين إفراطًا في التنازل، فقال أبو الفضل: أأُلام على تعظيم رجل ما قرأتُ عليه شيئًا من الطباع للجاحظ، إلا عرف ديوانه، وقرأ القصيدة من أولها إلى آخرها حتى ينتهي إليه؟!.
وكان أبو العباس المبرِّد عندما يرى أبا بكر الأبهري مقبلًا، ينهض قائمًا حفاوة وإجلالًا، فخطر على بال بعض أصحابه أنه تجاوز حد التواضع، وأن أبا بكر لا يستحق هذا القدر من الإجلال، وشافَهَ المبرد بهذا الخاطر، فقال المبرد:
إذا ما رأيناهُ مقْتبِلًا ... حَلَلْنا الحبا وابتدَرْنا القِياما
فلا تُنْكِرنَّ قيامي له ... فإنَّ الكريمَ يُجِلُّ الكِراما