وقد دل التاريخ الصادق، والمشاهدات المتواصلة على أن المنتمين إلى دين حق، لا يدركهم خمول، ولا تعلو عليهم يد ممن سواهم إلا حيث يتضاءل الإيمان في قلويهم تضاؤلًا ينسيهم جلال علاّم الغيوب، ولا يبقى لحكمته البالغة عليهم من سبيل.
والسياسة الرشيدة تعلم يقينًا أن للإيمان الصحيح فضلًا في تقوية صلات الألفة والاتحاد، وفضلًا في تهذيب النفوس، وانتظام الأمن في البلاد، فتوجه عنايتها إلى تربية النشء على تعظيم أمر الله تعظيمًا يتجه بهم إلى أفضل السير، وأحمدها عاقبة، وفي الحق أن من يضع في نفس الناشئ إيمانًا مسندًا إلى حجة، إنما يبني فيها أساسًا للسيرة القويمة، والعواطف الكريمة.
وأما العلم، فنريد منه: المعارف التي طلعت من أفق النبوة الصادقة، واستنبطتها العقول الثاقبة، أو ثمرتها التجارب الصحيحة، وفضل هذه العلوم في استبانة طرق الفلاح، واستكشاف ما في هذا العالم من أسرار، وتوفير أسباب الراحة في هذه الحياة، واضح بحيث يشهد به كل ذي باصرة، أو أذن واعية. والذي أرى التنبيه له في هذا المقام: هو أن الشرف إنما جاء على العلم من ناحية العمل به، فلو بلغ شخص الدرجة القصوى في علم من العلوم، ولم يكن لهذا العلم في حياته العملية من أثر، لكان هو والجاهل به سواء. فلا فضل للعالم بالشريعة إلا أن يقف بجانب حمايتها، ويأخذ نفسه بآدابها، ولا فضل للعالم بالهندسة، إلا أن يكون له قسط في تثبيت قواعد العمران والحضارة، ولا فضل لدارس الطبيعة، إلا أن يضع يده فيما يجلب للإنسانية راحة، أو يزيح عنها نصبًا، ولا يحق لدارس علم أن يعد نفسه في قبيل أهل ذلك العلم، إلا أن يستطيع تحقيقه في صور عملية، كما يفعل