"إن الله إذا استرعى عبدًا الخلافة، كتب له الحسنات، ولم يكتب له السيئات"، فقال له: هذا كذب، ثم تلا: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} [ص: 26] . الآية، فقال الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا [1] .
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، كتب إليه طاوس بن كيسان:"إن أردت أن يكون عملك كله خيرًا، فاستعمل أهل الخير"، فقال عمر: كفى بها موعظة.
ومن الأمراء الذين كانوا يوسعون صدورهم لنصح العلماء: عبد الرحمن الناصرة فقد كان القاضي منذر بن سعيد يواجهه بإنكار ما يراه من أعماله منكرًا؛ كخطبته التي ألقاها على مسمع منه في إنكاره عليه الإسراف في الإنفاق على بناء القصور وزخارفها. ومن مواقف منذر بن سعيد في هذا السبيل: دخوله على الناصر، ومخاطبته بالبيتين:
يا باني الزهراء مستغرقًا ... أوقاته فيها أما تمهل
لله ما أحسنَها رونقًا ... لو لم تكن زهرتها تذبل
ولم يزد الناصر على أن قال: إذا سقيت بماء الخشوع، وهب عليها نسيم التذكار، لا تذبل إن شاء الله.
ولقبول الأمراء لنصح العلماء فضل لا يقل عن فضل قيام العلماء بنصيحة الأمراء؛ فإن النفوس - ولاسيما الشاعرة بما لديها من قوة ومقدرة على البطش - شأنها النفور من أن تؤمر بمعروف، أن تنهى عن منكر، تتخيل أن ذلك الأمر أو النهي يتضمن نسبتها إلى الجهل، أو القصد إلى ارتكاب أمر قبيح، فإن
(1) "فتح الباري".