النوع ما يرجع إلى اختلاف اللغات؛ كقراءتي {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] بالصاد، و (السراط) بالسين، إلى ما يشاكل هذا من نحو الإظهار والإدغام، والمد والقصر، وتحقيق الهمز وتخفيفه. والحكمة في هذا تيسير تلاوته على ذوي لغات مختلفة،"فلو أراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلًا وناشئًا وكهلًا، اشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ثم لم يمكنه ذلك إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للبيان وقطع للعادة، فأراد الله -عَزَّ وَجَلَّ- بلطفه ورحمته أن يجعل لهم متسعًا في اللغات ومتصرفًا في الحركات" [1] .
ومن هذا النوع ما لا تختلف فيه اللغات، وإنما هما وجهان، أو هي وجوه تجري في الفصيح من الكلام؛ نحو: (وما عملت أيديهم) ، و {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} [يس: 35] وهذا النوع وارد على سنة العرب من صرف عنايتها إلى المعاني، ونظرها إلى الألفاظ نظر الوسائل، فلا ترى بأسًا في إيراد اللفظ على وجهين أو وجوه، ما دام المعنى الذي يقصد بالخطاب باقيًا في نظمه، ومأخوذًا من جميع أطرافه، وفي هذا توسعة على القارئ، وعدم قصره على حرف، ولا سيما حيث كان محجورًا عليه أن يغير الكلمة عن القرآن، ويحيد بها عن وجهها المسموع [2] .
ثانيهما: اختلاف في اللفظ والمعنى، مع صحة المعنيين كليهما، وحكمة هذا: أن تكون الآية بمنزلة آيتين وردتا لإفادة المعنيين جميعًا؛
(1) "مشكل القرآن"لابن قتيبة.
(2) من أثر تعدد القراءات حفظ كثير من طرق البيان وضروب اللهجات، وإن لم يكن القصد من القرآن تعليم اللغة، وتقرير أساليب خطابها وفنون بيانها.