تصل إلينا من طريق تاريخية صحيحة، وإنما وصلت إلينا من هذه الطريق التي تصل منها القصص والأساطير: طريق الرواية والأحاديث، طريق الفكاهة واللعب"."
يعرف القراء ما كان للعرب من العناية برواية الشعر وإنشاده، لا يمتاز بذلك الرجال عن الغلمان، ولا الطبقة المستنيرة عن طبقة العوام، وكانوا يتنافسون في هذا المجال، وكادوا لا يعرفون فنًا من فنون العلم سواه.
جاء الإِسلام، فقلت هذه العناية، وضعف أمر هذا التنافس، بمعنى أن قسمًا عظيمًا ممن شأنهم العناية بالشعر، والتنافس في روايته، شغلوا بالجهاد، أو صرفوا هممهم إلى التفقه في الدين، ولكن الطبقة التي عنيت بالأشعار أيام جاهليتها قد بقي منها عدد وافر إلى العهد الذي راجعت فيه رواية الشعر شبابها.
ترى من هذا القبيل الشعراء الذين عاشوا حينًا في الجاهلية، وحينًا في الإِسلام؛ كلبيد، وسويد بن أبي كأهل، وحسّان، والنابغة، والحطيئة، ومتمم ابن نويرة، والشماخ، ونهشل بن حرّى. وإذا كنا نرى للشعراء الإِسلاميين والمحدثين عناية بحفظ أشعار من تقدمهم، فلا شك أن هؤلاء المخضرمين كانوا يحملون من شعر الجاهليين أوقارًا يتلقاها عنهم الناس إلى أوائل عهد الدولة الأموية.
ومن المستفيض في كتب الأدب: أن للشعراء رواة يصحبونهم، ويروون عنهم أشعارهم، كما كان عبيد راوية للأعشى، وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير. واستمرت هذه العادة في الإِسلام، فكان هدبة راوية الحطيئة، وجميل راوية هدبة.