الشعر المعزوّ إلى الأول نحله إياه الشاعر الثاني، ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن يكون الشاعر الثاني جرى على سنّة الشعراء من متابعة المتأخر للمتقدم في بعض المعاني أو الأساليب، وحملُ التشابه بين شعر الفرزدق وامرئ القيس على هذا الوجه أقرب إلى القبول؛ لأنه الملائم للرواية، ولأن المؤلف لم يقم دليلًا تاريخيًا على أن سيرة امرئ القيس تبرأ من هذا الفحش، ومن هذه الغلظة، ولن يستطيع لهذا الدليل طلبًا.
ومما يجعلنا نستبعد أن ينحل الفرزدق امرأ القيس شيئًا من شعره: أن الفرزدق لم يكن من قبيلة كندة، ولا أن امرأ القيس من تميم. ثم إنا نجد في تاريخ الأدب قصصًا تنطق بأن الفرزدق كان حريصًا حرص المؤلف على أن ينهب ما تلده أفكار غيره من الرجال، ويجره إليه.
روى المرزباني في كتاب"الموشح": أن أبا عمرو بن العلاء لقي الفرزدق في المِرْبد، فقال له: يا أبا فراس! أحدثت شيئًا؟ فقال: خذ، وأنشده:
كم دون ميّه من مستعمل قذف ... ومن قلاة بها تستودع العيس
فقال له أبو عمرو: هذا للمتلمِّس، فقال: اكتمها، فلضوالُّ الشعر أحبُّ إليّ من ضوالّ الابل. وفي"خزانة الأدب"للبغدادي: أن الفرزدق نحل نفسه بيتين من شعر ابن ميّادة [1] . وذكر صاحب"الأغاني": أنه انتحل أربعة أبيات من قصيدة لذي الرمة [2] ، وأنشد بيتًا على أنه من شعره، فقال حمّاد: هذا لرجل من اليمن [3] . فالذي يرغب في أن يكاثر بما ليس من نتائج قريحته،
(1) (ج 1 ص 78) .
(2) (ج 16 ص 116) .
(3) (ج 5 ص 165) .