فهرس الكتاب

الصفحة 4098 من 7312

ببعض، فمن أحرز الشروط المشار إليها آنفًا، تمكن من الاستنباط في كل حادثة تعرض له، وإن فاته بعضها، أو كان نصيبه منه أقل من المقدار الكافي، لم يستطع أن يستنبط للواقعة حكمًا تطمئن له نفسه، أو يثق به غيره.

فمن أدركه النقص من جهة التفقه في مقاصد الشريعة وعدم إحكام قواعدها، فلا يصح له الاجتهاد، ولو في المسائل التي يجد لها بين الدلائل اللفظية منزعًا؛ فإن القواعد القطعية قد تدعو إلى التصرف في أقوال الشارع بنحو تخصيص العام، أو تقييد المطلق، أو عدم الأخذ بالمفهوم.

وكذلك من عرف مقاصد الشريعة، وأنس من نفسه القدرة على إلحاق الوقائع بأشباهها، ولكنه لم يصل في معرفة اللسان العربي إلى المرتبة الكافية للاستنباط، فاجتهاده غير موثوق به؛ إذ يشترط في المجتهد أن يكون عارفًا بأحوال الأحكام عن نظر مستقل، وتلك الأحوال مبثوثة في موارد الشريعة، فلا بدّ من رسوخ القدم في فهم تلك الموارد، ومعرفة وجوه دلالتها.

فالتشريع الإسلامي قائم على رعاية المصالح، وما هي إلا المصالح التي توضع في ميزانه المستقيم، وهذا الميزان المستقيم لا يبخس شعبًا من الشعوب مصلحته التي يشهد بها العقل السليم، ولا يفصّل حكمًا واحدًا يجريه على كل شعب وفي كل زمان، إلا إذا لم تختلف فيه مصالح الشعوب، فإن اختلفت اختلافًا يعقله العالمون، فلكل شعب حكم وسياسة، وذلك تقدير العزيز العليم.

فمن يذهب إلى أن أخذ العالم بحكومة واحدة، وجمعه تحت سياسة مشتركة خارجٌ عن طبيعة البشر، إنما هو مثال الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة، ولم يرفعوا رؤوسهم إلى الكتب التي أمتعت البحث عن أسرار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت