أيها السادة!
أُعطينا سيادةً عِشْنا في ظلالها أحقابًا، وظن بعض أسلافنا أن السيادة إذا مدت أطنابها في أمة، بقيت فيها ما بقي الليل والنهار، فتمادوا في غفلتهم، ولم يخطر على بالهم أن من وراء البحار أممًا استيقظت لوسائل القوة والغلبة، وانها تترقب الفرصة للهجوم على أوطاننا، ووضع يدها فوق رؤوسنا.
هجموا على أوطاننا ونحن في غفلة عما بيتوه لنا من كيد وعسف، ولكن ما غرز في فِطر شعوبنا من إباية الضيم، والطموح إلى العزّة، نهض بهم إلى أن يدافعوا العدو الهاجم ما استطاعوا، مفضلين الموت في سبيل دفاعه عن الحياة تحت سيطرته، كما وقع في الجزائر وتونس ومراكش وطرابلس، وإذا فاتهم أن يطردوا العدو من بلادهم، فإنهم ادخروا ما بين أسفار التاريخ صحائف غراء تشهد لهم بأنهم يعافون الذلة، ويأبون الضيم، وقد كان لأبنائهم وأحفادهم في تلك الصحائف عبرة، فنشؤوا يتميزون غيظًا من الاحتلال الفرنسي والإسباني والإيطالي، وطالما اندفعوا لمكافحته وهو يعلمون أن ليس لهم من قوة مادية تساوي أو تقارب قوته، وإنما يعلمون أن لهم قوة من الحق، إن لم تنتصر على قوته المبطلة اليوم، فستنتصر عليها غدًا،"وإن غدًا لناظره قريب".
وإذا فنيت أمة مستضعفة تحت أقدام الغاصب القوي، فلأنها انطوت على جبن، واستسلمت إلى اليأس، فمدت إليه أعناقها خاضعة، ولا عاقبة لأمة سكنت تحت نير الاستعباد إِلا أن تضمحل وتفنى، ولاسيما غاصبًا يعمل لسلخها عن قوميتها ودينها كما تفعل فرنسا في شمال أفريقية، ولكن الأمة